وقفات مع قصة أصحاب الكهف (4) حياة الفتية في الكهف (موعظة الأسبوع)

  • 175

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- الإشارة الى أن هذا هو المشهد الثالث من مشاهد القصة، مع ذكر الآيات التي تناولته: قال -تعالى-: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) (الكهف:11)، وقال: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) (الكهف:25)، وقال: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) (الكهف:17)، (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) (الكهف:18).

- لقد تضمن المشهد من آيات الله الكثيرة، سنجملها في أربع آيات ثم نقف معها وقفات: (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا).

أولًا: آية اختيار الكهف:

- اختار الله لهم كهفًا له صفات مخصوصة: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ). قال المفسِّرون: "كان باب الكهف من جهة الشمال، والشمس إذا أشرقت مالت فيه من جهة يمينه، وإذا غربت مالت فيه من جهة شماله، وبذلك تدخل الشمس والهواء إلى الكهف دون أن يؤذيهم من ذلك شيء؛ فهم في فجوة الكهف الداخلية في ظل دائم" (انظر: تفسير القرطبي - ابن كثير - فتح القدير للشوكاني).  

ثانيًا: آية النوم الطويل:

- ألقى الله عليهم النوم الطويل بعد أن أدوا واجب الدعوة، وتركوا أثر العقيدة الصحيحة (توحيد الله - البعث بعد الموت) في قومهم: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا)، (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره: "سَدَدْنَا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها"، وقال القرطبي -رحمه الله-: "وأما تخصيص الأذان بالذِّكر؛ فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا مَن تعطُّل السمع" (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي)(1).

ثالثًا: آية الحفظ مِن التلف والأعداء:

- ألقى الله عليهم المهابة بحيث لا يقربهم عدو مِن إنس أو غيره، وأجرى عليهم من أسباب الحفظ من التلف: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)، قال ابن كثير -رحمه الله-: "لما ضرب الله عليهم بالنوم، شاء -سبحانه- أن تبقى أعينهم مفتحة وهم رقود" (تيسير العلي القدير)(2). قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يقلَّبون لأكلتهم الأرض" (تفسير الطبري - تفسير القرطبي).

ثالثًا: آية هيئة الكلب:

- جعل الله وجود كلبهم في فناء الكهف على هيئة الحارس، بل وأجرى عليه من النوم والحفظ ما أجرى عليهم: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ).

- هذا المشهد الإيماني العظيم، لنا معه ثلاث وقفات: (عقدية إيمانية - فقهية - تربوية).

الوقفة العقدية الإيمانية: إثبات الكرامات للصالحين:

- ما أجرى الله على فتية الكهف نوع مِن الكرامة كما هو مذهب أهل السُّنة والجماعة: قال العلماء: "الكرامة امر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح"(3) (الموسوعة العقدية، أصول الإيمان: نخبة من العلماء)(4).

- أمثلة لكرامة بعض الصالحين في الأمم السابقة: قال -تعالى-: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:37)، وقال عن آسية -رضي الله عنها-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم:11)، وكذلك: هاجر أم إسماعيل -عليهما السلام-.

- أمثلة لكرامة بعض الصالحين في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-: "كانت الملائكة تسلِّم على عمران بن حصين في مرضه"، "ونزلت الملائكة تسمع لقراءة أسيد بن حضير وهو يصلي، فكانوا كالظلة فوق رأسه"، "وكان خبيب بن عدي -رضي الله عنه- أسيرًا في مكة وكان يُؤتَى بالعنب يأكل وليس بمكة عنبة!"، "ورأى النبي -صلى الله عليه وسلم- الملائكة تغسل حنظلة بن عامر لما استشهد يوم أحد"، " ونادى عمر -رضي الله عنه- أميرًا لجيش المسلمين في الشام يُقال له سارية من على منبره في المدينة فسمعه الأمير في المعركة" (انظر كل ذلك: رسالة الفرقان لابن تيمية -رحمه الله-).

الوقفة الفقهية: حكم اقتناء الكلاب:

- لقد اصطحب الفتية كلبًا كما جاءت به الآيات: قال القرطبي -رحمه الله-: "أكثر المفسِّرين على أنه كلب حقيقة، وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه، على ما قال مقاتل" (الجامع لأحكام القرآن).

- حكم اقتناء الكلاب في الإسلام: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أوْ صَيْدٍ أوْ زَرْعٍ انْتُقِصَ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) (متفق عليه)، وفى رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-: (فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ) (رواه مسلم).

- الإشارة إلى حرمة الاستعانة بالكلاب في ترويع المسلمين، أو الترفه باصطحاب بعضها في السيارات والمتنزهات.

الوقفة الإيمانية: المرء مع مَن أحب:

- مَن صاحب أهل الخير نال مِن بركتهم: قال أبو الفضل الجوهري -رحمه الله-: "إن مَن أحبَّ أهل الخير نال مِن بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله". وقال القرطبي -رحمه الله-: "فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين، بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال، المحبين للنبي -صلى الله عليه وسلم- وآله" (تفسير القرطبي).

- صحبة أهل الخير ومحبتهم ترفعك إلى مكانتهم: عن أنس -رضي الله عنه- قال: بيْنَما أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ- خَارِجَيْنِ مِنَ المَسْجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِنْدَ سُدَّةِ المَسْجِدِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (ما أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قالَ فَكَأنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قالَ: (فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) قَالَ أَنَسٌ: "فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ" (متفق عليه).

خاتمة:

- مكث أصحاب الكهف على حالهم هذه سنين عددًا، ثم بعثهم الله مِن نومهم الطويل؛ ليعلم الله علم شهادة ما قَدَّر مِن بقية الأحداث: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) (الكهف:12).

- فماذا دار مِن أحداث بعد بعث الفتية للحياة ومخالطة الناس؟

هذا يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فالنائم لو حاولت إيقاظه عن طريق الإشارة -مثلًا- لا يستيقظ.

(2) الدراسات الحديثة تثبت أن العين تفسد وتتقرح إذا ظلت مفتوحة مدة طويلة، وهذا يدل على أن حالهم هذا آية من آيات الله. وقد ذكر بعض المفسِّرين أنهم طالت شعورهم وأظفارهم، وهذا مردود بأنهم تساءلوا بعد استيقاظهم من نومهم، بما يدل على عدم استنكارهم لشيء من هيئتهم؛ لا في الثياب، ولا في الشعور، ولا غيرها.

(3) في ذلك تنبيه على أمور: إنها إن كانت مقرونة بدعوى النبوة؛ فهي معجزة، وإن كان صاحبها فاسد الاعتقاد والعمل، فهي الخوارق الشيطانية التي يزعمها الكهان والسحرة والمشعوذة؛ مِن أكل النار، واللعب بالحيَّات، ونحوه.

(4) والمقصود من الكرامة: تثبيت المؤمن الذي جَرَت له، ونصرة للمنهج الذي يتبعه.

(5) ذكر كثيرٌ من السلف: أن الله أراها منزلها في الجنة وهم يعذبونها، حتى جعلت تضحك وهي تُقتل!