لحظة... قبل أن تطلق! (3)

  • 59

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

القاعدة الثالثة: أن يُقْسِط الزوج من نفسه:

فالزوج في حال غضبه مِن زوجته وحنقه عليها، إن لم يكن صاحب دين وتقوى؛ جار عليها، وبخس بعض أو كل حقوقها، وتغافل عما تحْمِله من المحاسن، مُسلِّطًا الضوء على ما يعيبها فقط، والله -تعالى- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)، وقال -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء:135)، وقد أرشد القرآن ودلت السُّنة عما يسلكه الزوج في هذه الحالة، فقال -تعالى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء:19).

فندبت الآية إلى إتباع الآتي:

أولًا: إحسان معاشرة الزوج لزوجته، وذلك بالتحبب والتودد إليها كي تستقيم الحياة الزوجية، وأن يتكلف هذا الحب ويبالغ فيه ولو بالكذب، فهذا مِن مواطن الرخصة فيه، وهذا كله قاعدة مهمة وفعّالة في استقامة واستقرار واستمرار الحياة الزوجية.

ورضي الله عن فاروق هذه الأمة المُلْهَم حين جاءته امرأة تشتكي من عدم حبها لزوجها، حيث أجابها بكلمات توزن بقناطير الذهب فقال: "إِذَا كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ لَا تُحِبُّ أَحَدَنَا فَلَا تُخْبِرْهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ أَقَلَّ الْبُيُوتِ مَا بُنِيَ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَاشَرُ النَّاسُ بِالْحَسَبِ وَالْإِسْلَامِ"، أَيْ: إِنَّ حَسَبَ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَشَرَفَهُ إِنَّمَا يُحْفَظُ بِحُسْنِ عِشْرَتِهِ لِلْآخَرِ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ يَأْمُرُهُمَا بِأَنْ يَتَعَاشَرَا بِالْمَعْرُوفِ" (تفسير المنار).

ثانيًا: ندبت الآية إلى احتمال المرأة والصبر عليها، ولو رأى منها ما يكره في خَلق أو خُلُق طالما لم يصل إلى حدِّ الفاحشة أو النشوز.

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ): "أَيْ: لِدَمَامَةٍ أَوْ سُوءِ خُلُقٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ فَاحِشَةٍ أَوْ نُشُوزٍ، فَهَذَا يُنْدَبُ فِيهِ إِلَى الِاحْتِمَالِ؛ فَعَسَى أن يؤول الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ مِنْهَا أَوْلَادًا صالحين... قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى: مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) أَوْ قَالَ: (غَيْرُهُ). الْمَعْنَى: أَيْ: لَا يُبْغِضْهَا بُغْضًا كُلِّيًّا يَحْمِلُهُ عَلَى فِرَاقِهَا. أَيْ: لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَغْفِرُ سَيِّئَتَهَا لِحَسَنَتِهَا وَيَتَغَاضَى عَمَّا يَكْرَهُ لِمَا يُحِبُّ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْتَخِيرُ اللَّهَ -تَعَالَى- فَيُخَارُ لَهُ، فَيَسْخَطُ عَلَى رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعَاقِبَةِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خِيرَ لَهُ".

وقال ابن الجوزي في تفسيره: (زاد المسير)، والخطيب الشربيني فى تفسيره (السراج المنير): "بيَّنت الآية: جواز إمساك المرأة مع الكراهة لها، ونبَّهت على معنيين:

أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح؛ فرب مكروهٍ عاد محمودًا، ومحمودٍ عاد مذمومًا.

والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما يحب".

القاعدة الرابعة: التدرج في تقويم النساء:

قال الله -تعالى-: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء:34).

هذه الآية الكريمة تبيِّن مراحل الإصلاح عند نشوز المرأة، وذلك على الترتيب الموجود بها حتى تؤتي ثمرتها المرجوة، والنشوز هو: الارتفاع. والمعنى: أن المرأة ترتفع على أوامر زوجها فلا تطيعه فيما أمرها به من المعروف، ولا تنتهي عما نهاها عنه من المنكر.

فأول مراحل التقويم هي: العظة والإرشاد. أي: التذكير بالله -عز وجل- بالترغيب فيما عنده من ثواب إن هي أطاعت زوجها في المعروف، والتخويف بما لديه من عقاب إن هي عصته ونشزت عليه، ويعرفها بما يجب عليها من حسن الأدب فى العشرة بينهما، والوفاء بزمام الصحبة والقيام بحقوق الطاعة للزوج والاعتراف بالدرجة التي له عليها، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ حَقِّهِ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: "حسن صحيح")، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خُمُسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وعَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ: أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَاجَةٍ، فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: (كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟) قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: (فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فاذا لم تفلح هذه المرحلة، انتقل إلى أسلوب الهجر: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ)، فإن الهجر في المضجع قد يؤثِّر في المرأة بما لا يؤثره الضرب؛ فالمرأة الصالحة يزعجها هجر زوجها لها، فإنها تحس أنها غير مرغوبة من زوجها، فلا تنشغل إلا بالتفكير في حالها وما آل إليه، فتنزجر بهجره، وترتدع بتركه لها، وهو علاج له تأثيره النفسي، وبه تعلم المرأة مدى تأثر الزوج بنشوزها، فتعود عن غيها وتطاولها.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ): يوليها ظهره في فراشه.

وقيل: ينفرد عنها بفراش داخل البيت. وقيل: يهجرها خارج البيت، وعلى ذلك جَرَت الأدلة والجمع بينها كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال".

فإن لم ينجع الهجر في ردها عن غيها ونشوزها، انتقل الزوج إلى الضرب، وهو مقيَّد بأن يكون ضرب تأديب غير مبرِّح، فلا يكسر عظمًا ولا يتلف عضوًا، ولا يترك أثرًا، ويتجنب الوجه والمقاتل، ولا يكرر الضرب على العضو الواحد فيؤذيه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ، أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) (رواه مسلم).

قال الدكتور محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله- تحت عنوان: "الطريقة الفضلى: عدم ضرب النساء البتة: اعلم -أصلحك الله-: أن الأَوْلَى والأفضل ترك الضرب مع بقاء الرخصة فيه بشرطه، فقد اتفق العلماء على أن ترك الضرب، والاكتفاء بالتهديد أفضل" (المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية).

قلتُ: وخاصة إذا علمنا أن الرجل حين يضرب امرأته في حال الغضب غالبًا ما يتجاوز حدود الضرب المباح، فيشج رأسها أو يدمي عضوًا لها أو يترك أثرًا على الجلد ونحوه، فتظل تذكره المرأة كلما رأته، فيستمر حنقها وبغضها لزوجها، فعندئذٍ قد يتدخل أهلها لنصرتها وتتسع رقعة الخلاف، وينفث الشيطان سمومه وتتعقد الأمور ولا تنحل. فكان الأجدر والأولى بالزوج ترك الضرب؛ لما قد يتركه من آثار سيئة فى العلاقة مع زوجته.

أخرج أبو داود وغيره عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ) قَالَ: فَذَئِرَ النِّسَاءُ وَسَاءَتْ أَخْلَاقُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَئِرَ النِّسَاءُ وَسَاءَتْ أَخْلَاقُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُنْذُ نَهَيْتَ عَنْ ضَرْبِهِنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَاضْرِبُوا)، فَضَرَبَ النَّاسُ نِسَاءَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَتَى نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ أَصْبَحَ: (لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ وَايْمُ اللَّهِ لَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارُكُمْ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

فهذا النص وغيره يضبط المرحلة الثالثة -الضرب- الواردة في النص: (وَاضْرِبُوهُنَّ) إلى التنفير من الضرب؛ لمدى تأثيره على العشرة المطلوبة؛ ولذا فإن صيغة الأمر هنا ليست من باب الوجوب، وإنما هي من باب الإباحة والإذن، وهذا ما أشار إليه عطاء بقوله: "لا يضربها وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها"، خاصة إذا علمنا: أن هذا هو خُلُق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث ثَبَت عنه أنه لم يضرب بيده إمرأة قط، فأخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ".

وتبقى الرخصة قائمة بضوابطها وقيودها التي ذكرنا كعلاج ودواء لا كانتقام وتشفي من المرأة؛ فيراعي فيه وقته ونوعه، وكيفيته ومقداره، وقابلية المحل، وهو إنما يلجأ إليه عند الضرورة، وهذا أمر ظاهر، فمِن النساء مَن يصلحهن الضرب، ومنهن مَن يرجع ذلك عليهن بالفساد؛ فكل امرأة بحسبها.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.