مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (57) أحاديث في ذمِّ القَسْوة (3)

  • 179

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ).

قال ابن حجر -رحمه الله-: "الرفق هُوَ: لِينُ الْجَانِبِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالْأَخْذِ بِالْأَسْهَلِ، وَهُوَ ضد العنف، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) فِي حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ)، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَتَأَتَّى مَعَهُ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ ضِدِّهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ يُثِيبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُثِيبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْهَا: (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ)، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءَ: (مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ من الْخَيْر) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وابن خُزَيْمَةَ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: (مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الْخَيْرَ كُلَّهُ) (انتهى من فتح الباري لابن حجر).

 وروى مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للأشج -أشج عبد القيس-: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ).

قال النووي -رحمه الله-: "أَمَّا الْأَشَجُّ فَاسْمُهُ: الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ الْعَصَرِيُّ؛ هذا هو الصحيح المشهور. وقال: أَمَّا الحلم: فهو العقل، وأما الأناة: فهي التثبت وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ، وَسَبَبُ قَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَلِكَ لَهُ؛ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْوَفْدِ أَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا الْمَدِينَةَ بَادَرُوا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَقَامَ الْأَشَجُّ عِنْدَ رِحَالِهِمْ فَجَمَعَهَا وَعَقَلَ نَاقَتَهُ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النبى -صلى الله عليه وسلم- فقربه النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ، فَقَالَ الْأَشَجُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَمْ تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَنْ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَنُرْسِلُ مَنْ يَدْعُوهُمْ؛ فَمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ، قَالَ: صَدَقْتَ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ الحلم والأناة". قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَالْأَنَاةُ تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يَعْجَلْ، وَالْحِلْمُ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ عَقْلِهِ وَجَوْدَةِ نَظَرِهِ لِلْعَوَاقِبِ، قُلْتُ: وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ؛ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْأَشَجِّ: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ)، الْحَدِيثَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَا فِيَّ أَمْ حَدَثَا؟ قَالَ: بَلْ قَدِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله" (انتهى من شرح مسلم للنووي).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) (متفق عليه).

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (متفق عليه).

وعن جَرير بن عبد الله -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ الله لَيُعْطي على الرفْقِ ما لا يُعْطِي على الخَرْقِ، وإذا أحَبِّ الله عَبْداً أعطاهُ الرفْقَ، ما مِنْ أهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُون الرفْقَ؛ إلا حُرِموا الخَيْرَ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره)، ورواه مسلم وأبو داود مختصرًا: (مَنْ يُحْرَم الرِّفْقَ يُحْرَم الخَيْرَ).

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُ الرِّفْقَ ويَرْضاهُ ويُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ على العُنْفِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لها: (يا عَائِشةُ ارْفُقِي؛ فإنَّ اللهَ إذا أَرَادَ بِأهْلِ بيْتٍ خَيْرًا أدْخَلَ عَلَيْهم الرِّفقَ) (رواه أحمد، والبزار من حديث جابر، وروايتهما رواية الصحيح، وصححه الألباني)، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا أُعْطِيَ أَهْلُ بَيْتِ الرِّفْقَ إِلَّا نَفَعَهُمْ، وَلَا مُنِعُوهُ إِلَّا ضَرَّهُمْ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني)، وعن أنس -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما كان الرِّفقُ في شيءٍ قطُّ إلّا زَانَه ولا كان الخَرَقُ في شيءٍ إلّا شَانَه، وإنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ) رواه البزار وابن حبان في صحيحه، وعنده الفحش مكان الخرق، ولم يقل: "إنَّ اللهَ رفيقٌ... إلى آخره".

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قامَ أعْرابِيٌّ فَبالَ في المَسْجِدِ، فَتَناوَلَهُ النّاسُ، فَقالَ لهمُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (دَعُوهُ وهَرِيقُوا على بَوْلِهِ سَجْلًا مِن ماءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِن ماءٍ، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) (رواه البخاري)، والسَّجْل: الدلو الممتلئة ماءً.

وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا، ولا تُنَفِّرُوا) (متفق عليه)، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ -صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بيْنَ أمْرَيْنِ إلّا أخَذَ أيْسَرَهُما، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا، فإنْ كانَ إثْمًا كانَ أبْعَدَ النّاسِ منه، وما انْتَقَمَ رَسولُ اللَّهِ -صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ- لِنَفْسِهِ إلّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بها" (متفق عليه).

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ، عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي إحدى رواياته: (إنَّما تَحْرُمُ النارُ على كُلِّ هَيِّنٍ لَيّن قَريبٍ سَهْلٍ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: صحيح لغيره).

وعن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (التَّأنِّي من اللهِ والعجَلةُ من الشَّيطانِ وما أحدٌ أكثرَ معاذيرَ من اللهِ وما من شيءٍ أحبَّ إلى اللهِ من الحمدِ) (رواه أبو يعلى، وحسنه الألباني).

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كأَنِّي أنْظُرُ إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدْمَوْهُ، فَهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجْهِهِ، ويقولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ" (متفق عليه).