الدعاة والقضاة (1)

  • 95

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فيحاول بعض الصحفيين نحت عبارة: "الدعاة كالقضاة" في أذهان متابعيهم للفصل بين الدعوي والسياسي، بين الدين والدولة، حيث إن القضاة لا يشتغلون بالسياسة طوال مدة خدمتهم الوظيفية.

فقد نصت المادة رقم 73 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية على أنه: "يُحظر على المحاكم إبداء الآراء السياسية.

ويحظر كذلك على القضاة الاشتغال بالعمل السياسي، ولا يجوز لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد تقديم استقالتهم".

والمتأمل في عبارة: "الدعاة كالقضاة"؛ يجد أنها تُخالِف الواقع، والدستور والقانون واللوائح، والحقوق والحريات الأساسية؛ فالقضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم في عملهم لغير القانون، ويتمتعون بالحصانة، والدعاة ليسوا كذلك.

كما نصت المادة رقم 72 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية والمعدلة بالقانون رقم 35 لسنة 1984 على أنه: "لا يجوز للقاضي القيام بأي عمل تجاري، كما لا يجوز له القيام بأي عمل لا يتفق واستقلال القضاء وكرامته، ويجوز لمجلس القضاء الأعلى أن يقرر منع القاضي مِن مُباشرة أي عمل يرى أن القيام به يتعارض مع واجبات الوظيفة وحُسن أدائها".

وأحكام القضاة مُلزمة، بينما يدور عمل الدعاة بين الفتوى والوعظ؛ فضلًا عن الوضع الاجتماعي، والمزايا المعنوية والمادية، ومنها:

- الرعاية الصحية.

- سن المعاش، فقد نصت المادة رقم 69 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية والمعدلة بالقانون رقم 17 لسنة 2007 على أنه: "استثناء مِن أحكام قوانين المعاشات، لا يجوز أن يبقى في وظيفة القضاء أو يُعين فيها مَن جاوز عمره سبعين عامًا ميلادية... ".

- كما نصت المادة رقم 70 مِن ذات القانون والمعدلة بالقانون رقم 17 لسنة 1976 على أنه: "استثناء مِن أحكام قانون العاملين المدنيين بالدولة وقوانين المعاشات، لا يترتب على استقالة القاضي سقوط حقه في المعاش أو المكافأة... ".

- قيمة المرتب والمكافأة والمعاش، وغير ذلك مِن أوجه المقارنة.

- وحظر اشتغال القضاة بالعمل السياسي ينطبق على جميع القضاة، أيًّا كانت الجهة القضائية التي ينتمون إليها: (القضاء العادي - الإداري - الدستوري) "المادة 95 مِن القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة وتعديلاته".

كما يسري أيضًا على الهيئات القضائية، هيئة النيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة "المادة 20 مكرر مِن القانون رقم 75 لسنة 1963 بشأن تنظيم هيئة قضايا الدولة وتعديلاته".

وعلى النقيض من ذلك: يؤكِّد بعض الفقه الفرنسي أن القضاء عمل سياسي "ماتيو بوندويل - القضاء عمل سياسي - مجلة لوموند دبلوماتيك - سبتمبر 2014م، ص 28".

وذهب فريقٌ ثالث لوجود دور سياسي للقاضي الدستوري والإداري؛ نظرًا لارتباط هذا القضاء بالسلطة العامة.

كما لا يمكن إغفال دور "الموائمات السياسية" في القضاء الجنائي والمدني؛ فإبداء الآراء السياسية للقاضي كشخص خارج أعمال المحاكم "الجلسات والأحكام"، ودون اشتغاله بالعمل السياسي المحظور قبل تقديم استقالته، يمكن تصوره في كتاباته ومذكراته وبحوثه الخاصة، والمحاضرات العلمية.

كما أن القاضي بوصفه مواطنًا يتم قيده بقاعدة بيانات الناخبين، وله أن يُمارس حق التصويت في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية، والاستفتاءات العامة.

وهو هنا يُقارن بين برامج وسياسات؛ وإلا فكيف يمكن تصور مباشرة الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا ورئيسها، سلطات رئيس الجمهورية عند وجود مانع مؤقت يحول دون مباشرته لسلطاته، إذا كان مجلس النواب غير قائم، مع عدم وجود نائب لرئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء، أو تعذر حلول أي منهما؟!

"المادة رقم 160 مِن الدستور".

كما جرى العرف بتقلد القضاة لمناصب سياسية تنفيذية "وزراء - محافظين - إلخ"، وتعيينهم بالمجالس البرلمانية "نواب وشيوخ".