لعلهم يتضرعون!

  • 150

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما يحدث في العالم هو في الحقيقة امتحان عام وشامل.

امتحان وُضع فيه المُعلم بجوار المتعلم.

امتحن فيه المريض والطبيب على حدٍّ سواء؛ الغني والفقير، الصغير والكبير، المسلم والكافر.

ومع الأيام يزداد الأمر شدة وخطورة -ليس يأسًا-، بل كلنا أمل ورجاء، لكن هذا هو الواقع والإحصائيات.

ويتساءل الكثيرون: وماذا بعد؟

قد كنا ننتظر رفع الحظر ورفع الوباء، لكنه يزداد!

وأجيب: خذوا حذركم... افعلوا ما استطعتم من الإجراءات الوقائية والاحترازية، لا مانع أبدًا مِن ذلك، طالما لم تتعلق بها القلوب، ولكن اعلموا أنها: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) (النجم:58)، والمتأمل في آيات القرآن التي تبيِّن الحكمة مِن الابتلاء والواجب العملي المطلوب من المكلفين يلحظ أمرًا كلنا قد قصرنا فيه؛ ألا وهو: (عبادة التضرع) لو أننا بحثنا في الآيات عن استعمال هذه اللفظة لوقفنا علي معنى في غاية الخطورة.

قال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:42-43).

إن الله ابتلاهم في أموالهم بشدة الفقر وضيق المعيشة، وابتلاهم في أجسامهم بالأمراض والآلام (ركز لو سمحت) لكن لِمَ؟ (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) أي: رجاء أن يتذللوا لربهم ويخضعوا له وحده بالعبادة؛ لعلهم يدعون الله، ويتضرعون إليه، ويخشعون له.

لعلهم يتوبون.

لعلهم يتمسكنون لربهم.

فيا ترى مَن صار كذلك ما الذي زاد على حاله القلبي الإيماني؟

ومَن لم يكن كذلك ما التغير الذي قام به واجتهد في تحصيله؟

أم صار الحال كما قال الله عن السابقين: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ)؟! وهذا عتاب كما قال القرطبي رحمه الله: "على ترك الدعاء، وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب (قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) صلبت وغلظت!".

هل الكلام واضح؟ لا بل أكثر مِن واضح.

إن المشركين وهم على شركهم كانوا إذا وقعوا في التهلكة هرعوا إلى هذا الوصف، قال الله عنهم: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأنعام:63)، أي بقلب خاضع ولسان لا يزال يلهج بحاجته في الدعاء: (لَئِنْ أَنْجَانَا)، ثم تأمل النتيجة: (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) (الأنعام:64)، وهذا مع شركهم!

فكيف بالمسلمين مع توحيدهم؟

إنه التضرع الذي ينقصنا!

وقال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون:76)، أي: بصنوف المصائب، فما خضعوا لربهم وما دعوه خاشعين؛ ما ردهم ذلك عما هم فيه من الغي والضلال!

وانظر للأسلاف كيف كانوا يتفاعلون مع الآي؛ حُبس وهب بن منبه -رحمه الله- فقال له رجل: ألا أنشدك بيتًا مِن الشِّعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله -تعالى- يقول: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) قال: وصام وهب ثلاثًا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟  قال: أحدث لنا فأحدثنا ،يعني أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة (كما ذكره ابن كثير رحمه الله).

والعذاب المذكور في الآية: كالأمراض والجوع والحاجة، ومع ذلك ما استكانوا لربهم، وما خضعوا، وما يخشعون لله في الشدائد تصيبهم، بل مضوا في تمردهم.

والاستكانة أصلها: الانتقال مِن حالٍ إلى حال، وغلب على استعمالها الانتقال مِن حال التكبر والغرور إلى حال التذلل والخضوع.

وقال -سبحانه- عن قوم فرعون: (وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف:48)؛ فهلَّا كان منا التضرع يا عباد الله؟!

هلَّا نَظَر كل واحد منا فيما أوجب الله عليه؛ فأتمه وأحسنه، فهو خير قربان يتقرب به إلى الله، وذلك يشمل ما كان بينه وبين الله: كصلاة، وزكاة، وصيام، وما بينه وبين الناس: كصلة رحم، وحسن جوار، وحُسْن خُلُق.

هلَّا تفكَّر كلُّ واحد منا فيما هو واقع فيه من المعاصي والمخالفات؛ فأقلع عنها وتاب إلى ربه.

هلَّا قمنا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

هلَّا كان منا اجتهاد في النفل بعد الفرض؟ سيما الاجتهاد في قيام الليل، وفيه ساعة لا يرد فيها سائل.

هلَّا كان منا في تلك الساعة سؤال وتضرع بأن يكشف الله عنا الضر؟

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إحدى روايات حديث النزول، وهي في المسند، قال الله -عز وجل-: (مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ أَكْشِفْهُ؟!) (رواه احمد بسندٍ صحيحٍ).

أما نقوم ونناجي ربنا: مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين؟!

أما نقوم ونتضرع: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ) (الدخان:12)؟!

عسانا نفعل، وهذا هو المرجو والمؤمَّل.

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا.