نظرات في ميثاق مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا

  • 173

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد طالعتنا وسائل الإعلام بما سُمي: "ميثاق مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا"؛ تلبية لنداء الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس جمهورية فرنسا، أصدر مسئولو مجالس واتحادات الإدارات الخاصة بمراكز العبادات الإسلامية في فرنسا ميثاق المبادئ؛ وذلك على إثر الأعمال الإرهابية التي تمت في فرنسا، وآخرها ذبح مدرس فرنسي من قِبَل طالب مسلم بتحريضٍ مِن الجماعات الإسلامية المتطرفة في فرنسا.

ونتعرض لأهم ما جاء فيه:

في الديباجة: "نتعهد مِن خلال هذا الميثاق -وبصفتنا مواطنين فرنسيين، أو بصفتنا أيضًا ممثلين عن جمعيات الطوائف الإسلامية، باحترام جميع المواد المنصوص عليها في الوثيقة الحالية، والمسماة: بـ"ميثاق المبادئ"، ويهدف هذا الميثاق إلى وضع أُطر لنظم وقواعد الأخلاق، والتي يتعيَّن عليها تنظيم عمل المجلس القومي للأئمة".

نقول: أول ما نرى مِن مخالفةٍ؛ العنوان الذي ينص على ميثاق المبادئ الإسلامية في فرنسا، وكأن الديانة الإسلامية في فرنسا تختلف عن غيرها، والإسلام دين واحد لا يختلف مِن مكانٍ إلى مكانٍ، ولا مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ولا من دار إسلام إلى دار كفر؛ قال الله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِيْنًا) (المائدة:3).

ثانيًا: التعهد بالالتزام الكامل بالنصوص الآتية في الوثيقة يتعارض مع قول الله -سبحانه وتعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء:59)، فلا يجوز لمسلم أن يتعهد بإقرار ما خالَف الكتاب والسُّنة والإجماع بحالٍ مِن الأحوال.

وسنرى في هذه الوثيقة مخالفات جمَّة خطيرة لأصول الاعتقاد؛ فمن ذلك قولهم: "وبهذا نؤكِّد مِن جديدٍ: أنه ليس لمعتقداتنا الدينية، أو أية أسباب أخرى أن تسمح بإزاحة المبادئ المُؤَسِّسة لحقوق ودستور الجمهورية".

وهذا مِن أخطر المسائل في هذه الوثيقة؛ إذ جعل مبادئ الدستور الفرنسي المعروفة بأنها الحرية والديمقراطية -على المفهوم الغربي-، والمساواة أن تكون فوق الشريعة، وفوق العقيدة الإسلامية، وفوق كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سلوك المسلم، قال الله -عز وجل-: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا) (التوبة:40)، وقال -تعالى-: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65)، وهؤلاء قد جعلوا مبادئ الجمهورية الفرنسية ودستور الجمهورية فوق الاعتقادات.

 ومعلوم أن الحرية -في مفهوم الغرب- تشمل ما سيأتي النص عليه مِن: حرية الكفر، وحرية الردَّة، وحرية الشذوذ الجنسي -اللواط والسحاق-، والحرية الجنسية في المعاشرة بين الرجال والنساء بدون تكوين أسرة! فالحرية عندهم مطلقة لا يحدها إلا حرية الآخرين.

وكذلك الديمقراطية؛ فإن الديمقراطية الغربية مبناها على أن التشريع للشعب، لا لله -عزَّ وجلَّ-، ولا مرجعية لكتاب مقدس، ولا لأحكام شرعية معينة أو مطلقة، بل كل ما اختاره الناس وشرَّعوه صار لازمًا وحتمًا، وهذه معلوم منازعتها منازعة تامة مطلقة لقول الله -عز وجل-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:40)، وقال الله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44)، وقال الله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة:45)، وقال الله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة:47).

كما أن الحرية -على طريقتهم- تتعارض مع قول الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21)، وقوله -تعالى-: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) (النحل:116)، وقوله -سبحانه وتعالى-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) (الأنعام:93)، وهؤلاء القوم يقولون: سنضع مِن القوانين الوضعية مثل ما أنزل الله!

ثم المساواة؛ يعنون بها المساوة المطلقة، والتي تتضمن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الإرث، وفي الحقوق، وفي حقوق الزوجية، ولا شك أن هذه المساواة -وإن كانت أصلًا-؛ إلا أنه قد ثبت تخصيصها، وكذلك المساواة المطلقة بين المسلم والكافر؛ فإنها -وإن كان هناك قدْرٌ من المساواة في عصمة دماء المسلمين والمُعاهَدِين-؛ إلا أن ذلك لا يقتضي المساواة بين الإسلام وبين الكفر، وسيأتي من نصوص الوثيقة ما هو أشد مُحادَّةً لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع المسلمين.

والحقيقة: أن هذه المسألة -مسألة ما وضعه الناس فوق شرع الله أم أن شرع الله فوق ما وضعه الناس- هي المسألة التي وقع فيها الخلاف العلني بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الفرنسي ماكرون؛ لأن هذه الأفكار والمبادئ الموضوعة من قِبَل البشر لا يجوز أن تُجعل فوق ما أنزله الله إلى الناس؛ فكيف لمسلمٍ أن يقول: ليس لمعتقداتنا الدينية أو أية أسباب أخرى أن تسمح بإزاحة المبادئ المؤسِّسة التي مِن ضمنها: العلمانية، والمساواة المطلقة، والحرية المطلقة؟!

وفي الحقيقة: هذه الوثيقة أقرب إلى محاكم التفتيش في عقائد الناس، وإلزام المسلمين أن يقولوا، وأن يوقعوا عليها اختيارًا، ولا يجوز لمسلمٍ -يعرف أن هذه المبادئ قد تضمنت ما يخالف الوحي المنزل وأحكام الشرع- أن يوقِّع عليها بحالٍ مِن الأحوال.

ووقع في الوثيقة: "ومِن الناحية الدينية والأخلاقية؛ فالمسلمون -بصفتهم مواطنين أو مقيمين غرباء- مرتبطون بفرنسا من خلال عهد، ويجب عليهم -بمقتضى هذا العهد- احترام الترابط الوطني، والنظام الجمهوري، وقوانين الجمهورية".

نقول: يجب أن يكون ذلك مُخصَّصًا بما لا يخالف شرع الله -عزَّ وجلَّ-؛ وإلا فلا يجوز أن يعقد المسلم عقدًا أو يعهد عهدًا يُلزمه بتغيير اعتقاده في الحلال والحرام، أو بالتزامه في نفسه وأسرته بما يخالف شرع الله؛ وإلا كان عاجزًا عن إقامة الدين في بلاد الكفر؛ فيجب عليه الرحيل منها إن أُلزم بمخالفة الشريعة.

ووقع في الوثيقة: "يلتزم جميع الموقِّعين على هذا الميثاق على الاحترام والكرامة، والعمل على السلام المدني، وعلى مكافحة جميع أشكال العنف والكراهية".

نقول: يا ليت هذا يشمل العنف ضد المسلمين والكراهية ضد الإسلام، وهي في فرنسا مِن أشد أنواع الكراهية والتخويف والتبغيض للإسلام، وأشد صور الكراهية هي السخرية والاستهزاء، والإهانة، والاعتداء؛ حتى مع الأولاد الصغار في المدارس!

ويكفي أن الوثيقة تناولت ذبح المدرس الفرنسي، ولم تتناول الجريمة التي ارتكبها مِن نَشْر الرسوم المُسيئة على طلاب؛ يُوجَد فيهم مسلمون، ونَشْر روح الكراهية للإسلام في قلوب الأولاد والبنات.

ووقع في الوثيقة: "إن الحرية مكفولة مِن خلال مبدأ العلمانية التي تتيح لكل مواطن الاعتقاد، أو عدم الاعتقاد، وممارسة العبادة التي يختارها، أو تغيير ديانته".

نقول: هذا الجزء مخالِفٌ مخالفةً صريحة للشريعة في إثبات حق ترك الدين، وتغيير ملة الإسلام؛ وهذا أمر لا نزاع فيه بين العلماء، قال الله -عزَّ وجلَّ-: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:217)، وقال الله -عزَّ وجلَّ-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (المائدة:54)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ) (رواه البخاري).

وإن كنا لا نقول للمسلمين: أن يَقتلوا -وهم في إقامتهم في بلاد الكفر- مَن ارتدَّ عن الإسلام؛ لوجود العهد الذي يلزمهم الكف عما في هذه البلاد، لكن ذلك لا يُغير الاعتقاد، أو يُثبت أن الحرية بتغيير الملة، وعدم ممارسة العبادة سائغ؛ فهذا أمر لا يقبله مسلم؛ حتى وإن لم يستطع تطبيقه.

قالوا في الوثيقة: "كما يلتزم الموقِّعون على عدم تجريم رفض الإسلام!".

وهذا مِن أخطر الأمور في هذه الوثيقة؛ إذ إن كلمة التجريم كلمة واسعة؛ فالاتهام بالكفر، وكذا ذم الكفر والكفار، والإخبار بأنهم مِن أهل النار -كما وردت بذلك مئات الآيات والأحاديث؛ بل أكثر مِن ذلك- داخل في هذا الاعتقاد الفاسد؛ وهو عدم تجريم رفض الإسلام، قال الله -تعالى-: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) (القلم:35)؛ فكيف تمتنع -أيها المسلم- عن الإقرار بشيء موجود في القرآن؟! وأن تلتزم بأن لا تُعلمه أولادك وأسرتك؟!

وفي الوثيقة: "وعلى عدم وصفه بالارتداد" (الردَّة).

قد سبقت الآيات التي فيها ذِكْر وصف مَن ترك الإسلام بالردَّة، وهذا بنصوص قطعية من كتاب الله، ونصوص مُستفيضة مقبولة بالإجماع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف لمسلمٍ أن يمتنع عن وصف مَن ترك دين الإسلام بما وصفه الله به في القرآن؟!

هذا تعهد بترك اعتقاد ما في القرآن، ومخالفة سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- المجمع عليها.

وقالوا في الوثيقة: "وبعدم التنديد -أي: يلتزم الموقعون بعدم التنديد- بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو الاعتداء على السلامة الجسدية أو النفسية لمن يرفض أيَّة ديانة، إن الله منح الإنسان حرية الاختيار بمعتقداته بعيدًا عن أي إجبار: (لَا إِكْرَاهَ في الدِّيْنِ) (البقرة:256)".

مع إقرارنا بأننا لا نكره الناس على الدخول في الإسلام، فليس معنى ذلك أن نقبل أن تكرهونا أن نترك اعتقادنا بذم وتوعُّد مَن خالَف ملة الإسلام بدخول النار وبالعذاب في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه:124)، فإذا كنت -أيها المسلم- عاجزًا على أن تُطبِّق شيئًا من ذلك؛ فلا تلتزم بعدم التنديد -ولو بصورة مباشرة- بالكفر، أو أن تخبره بالكفر؛ فيكون ذلك اعتداء على سلامته النفسية.

قالوا: "وقد أوضح عن رغبته هذه من خلال عبارة: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّي يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس:99)".

نقول: لا يجوز أن يُوصَف الرب -سبحانه وتعالى- بالرغبة، ثم هذه ليست عبارة! وإنما هي آية مِن آيات الله -سبحانه وتعالى-.

وأما قوله -تعالى-: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)؛ فهذا خبر عن الإرادة الكونية وليس عن الإرادة الشرعية؛ فإن الله شرع لعبادة جميعًا أن يدينوا بدين الإسلام، فقال: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19)، وقال الله -تعالى-: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85). وهذا التأكيد في هذه الوثيقة باسم الإسلام هو مِن أخطر ما يكتبه مسلم أو يقوله أو يوقِّع عليه!

قالوا في الوثيقة: "إن التبشير التعسفي والقاهر للوعي يتعارض مع حرية العقل والقلب، وهما ما يميزان حرية الإنسان".

يقصدون الدعوة للإسلام التي تخبر الناس أنهم إن لم يدخلوا في الإسلام دخلوا النار، وليس لنا أن نقهر وعيهم بهذا الوصف وهذا المآل، وهذا الكلام مِن أفظع ما يكون مخالفة لنصوص الآيات التي تقسِّم الناس إلى: "مؤمن، وكافر"، وتُخبر بمآل الكفار في الآخرة؛ فلا يصح أن يُقال: إن هذا تبشير تعسفي!

والحقيقة: أن لفظ التبشير استعملوه على عادة الغربيين في الدعوة إلى التنصير باسم التبشير، وأما القاهر للوعي؛ فهم يعنون أنه يغيب وعيه بأمور الغيب، وهذا لا شك أنه مِن أخطر ما يمكن؛ لأن القرآن قد أوجب علينا أن نؤمن بالغيب.

قالوا: "وعلى قناعة بأن الحوار هو دائمًا المصدر الثري، وهو بمثابة حصن ضد التعصب، ونوافِق على إجراء كل أنواع الحوارات، ونرفض كل أشكال العنف".

يا ليتهم يلتزمون بالسماح بذلك؛ بأن يسمحوا للمسلمين أن يعلنوا دعوتهم عن الإٍسلام الصافي النقي في بلادهم، ولا يُمنع المسلمون -من خلال إجراءتهم التعسفية- حتى مِن ممارسة عباداتهم، ورفع أذانهم ومخاطبة الناس بهذا الحق علانية.

قالوا في الوثيقة: "المادة الرابعة: المساواة: يلتزم الإسلام بالكامل بالمادة واحد للإعلان عن حقوق الإنسان والمواطنة!".

مَن الذي يتكلم باسم الإسلام حتى يقول: يلتزم الإسلام؟! هل هذا إسلام فرنسي مختص بهم؟! وهل هذه المساواة بالكامل -كما يقولون- هي مما ألزم به الإسلام، وشرع الله -عزَّ وجلَّ-؟!

قالوا: "والمساواة بين الرجل والمرأة هو مبدأ أساسي؛ ذُكر في النص القرآني الكريم: (اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) (النساء:1)".

نقول: هذه المساواة قد ورد تخصيصها بقول الله -عز وجل-: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) (النساء:11)، ولقول الله -عزَّ وجلَّ-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة:228)، وبعشرات النصوص التي فرَّقت في أحكام اللباس وأحكام الولاية، وأحكام القِوامة، وأحكام الاستئذان، وأحكام العورات وغيرها بين الرجال والنساء؛ فلابد من المساواة في الأصل مع مراعاة الاستثناء، وليس تأكيد المساواة.

 ومعلوم أنهم يقولون بهذه المساواة الكاملة في الإرث، وفي حقوق الزوجية، والندية في كل شيء.

قالوا في المادة الخامسة: "الأخوة: إن الأخوة -من وجهة نظر الدين- ملزمة بين البشر؛ إذ تدعونا أخلاقياتنا إلى التعاطف نحو إخواننا المواطنين دون تمييز، ونرفض جميع أنواع التمييز القائم على الدِّين والجنس، والميول الجنسية".

نقول: هذه العبارة الفضفاضة تتضمن تصريحًا بمخالفة شرع الله -عزَّ وجلَّ-؛ فعلى عموم هذه العبارة: تُلغى جميع أنواع الاستثناء مِن قاعدة المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، وغيره!

وأما الميول الجنسية؛ فإنهم ينصون على احترام وتقدير وأخوة الشواذ جنسيًّا، والراغبين في التحول وتغيير خلق الله! وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، وَلَا تُفْضِي المَرْأَةُ إِلَى المَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وما يعانيه المجتمع الغربي من الميول الجنسية المَرَضيَّة مِن: الشذوذ، والسادية، والمازوخية، وممارسة الجنس مع الحيوانات، ومع الأموات! وغيرها مما هي عبارة عندهم عن الميول الجنسية؛ فكيف نُلزَم بإثبات الأخوة مع هؤلاء (الأخوة التي تتضمن معنى المدح والثناء والقبول، وعدم الذم، وعدم الإخبار بعاقبة هذه الأفعال، وتجريمها وتحريمها!)؟! فهذه المادة مِن أفظع وأشد مواد الوثيقة نكارة، ومخالفة لشرع الله.  

قالوا في الوثيقة: "إن جميع أشكال التمييز العنصري وكراهية الآخر؛ وخاصة الأفعال المعادية للمسلمين والأفعال المعادية لليهود، والمعادية للمثليين، وكراهية النساء، تعتبر جُنحًا سوف تجرَّم، وتخضع جميعها لقانون العقوبات!".

إذًا تضمن هذا الأمر المساواة بين الاعتداء على المسلمين، والاعتداء على المثليين -ولو كان بالكلام، ولو كان بالذم- وكذا الاعتداء على اليهود، والاعتداء على اليهود مجرَّم في أوروبا كلها باسم العداء للسامية؛ مع أن المسلمين ساميون في الأغلب، ومع ذلك لا ينالون مِن الحماية ما يناله اليهود!

وأما العجب؛ فأن يوقِّع مسلمٌ على أن الأفعال المعادية للمثليين -وهي لفظة واسعة جدًّا- حتى كراهية الفعل يشمل ذلك! وعندهم أن كراهية الآخر -كراهية الشاذ والزاني، والذي يتلذذ بتعذيب الآخرين له- أن ذلك كله مِن أشكال الكراهية المذمومة، وقد قال الله -عزَّ وجلَّ-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ  إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) (الممتحنة:4).

هذه بعض المخالفات الفجَّة في الوثيقة المسمَّاة بـ"مبادئ الديانة الإسلامية في فرنسا".

ونقول -بناءً على ما تضمنته-: إنه لا يجوز للمسلم أن يوقِّع عليها بحالٍ مِن الأحوال، وأنه إذا أُرغِم على ذلك؛ فله مندوحة في الرجوع إلى بلاد المسلمين التي لا يَحتاج فيها إلى ذلك.

نسأل الله أن يعافي المسلمين في فرنسا، وفي كل مكان.