عاجل

الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (5)

  • 141

قصة بناء الكعبة (3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -تعالى-: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124).    

قوله -تعالى-: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "لما جعل اللهُ إبراهيم إمامًا، سأل اللهَ أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته؛ فأُجيب إلى ذلك، وأُخْبر أنه سيكون مِن ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يُقتدى بهم، والدليل على أنه أُجيب إلى طلبته: قول الله -تعالى- في سورة العنكبوت: (وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (العنكبوت:27)، فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته -صلوات الله وسلامه عليه-.

وأما قوله -تعالى-: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)؛ فقد اختلفوا في ذلك، فقال خَصِيفٌ، عن مجاهد في قوله: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون.

وقال ابن أبي نُجيح عن مجاهد: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا يكون لي إمام ظالم. وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يُقتدى به. وقال سفيان، عن منصور عن مجاهد في -قوله تعالى-: : (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا يكون إمام ظالم يُقتدى به.

روى ابن أبي حاتم عن مجاهد، في قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) قال: أما مَن كان منهم صالحًا؛ فسأجعله إمامًا يُقتدى به، وأما مَن كان ظالمًا؛ فلا ولا نُعْمةَ عين.

وقال سعيد بن جبير: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) المراد به: المشرك، لا يكون إمام ظالم، يقول: لا يكون إمام مُشرك.

وقال ابن جريج، عن عطاء، قال: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلتُ لعطاء: ما عهدُه؟ قال: أمره.

وروى ابن أبي حاتم  عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فأبى أن يفعل، ثم قال: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (قلتُ: أبى أن يفعل أن تكون ذريته كلهم أئمة، وإنما جعل الله الإمامة في الصالحين من ذريته).  

قال محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده -ولا ينبغي أن يُوليَه شيئًا مِن أمره وإن كان مِن ذرية خليله- ومُحْسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد مِن مسألته.

وقال العَوفي، عن ابن عباس: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه أن تطيعه فيه.

وروى ابن جرير عن ابن عباس، قال: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: ليس للظالمين عهد، وإنْ عاهدتَه اُنْقُضْه. ورُوي عن مجاهد، وعطاء، ومُقاتل بن حيان نحو ذلك.

وقال الثوري عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالم عهد.

وعن قتادة، في قوله: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا ينال عهدُ الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به، وأكل وعاش. وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.

وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحَاقَ وَمَنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِيْنٌ) (الصافات:113)، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق. وكذا رُوي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان.

وقال جويبر عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني.

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن علي بن أبي طالب، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: "لَا طَاعَةَ إِلَّا في المَعْرُوفِ".

وقال السدي: "لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" يقول: عهدي نبوتي.

فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم -رحمهما الله تعالى-.

واختار ابن جرير أن هذه الآية -وإن كانت ظاهرة في الخبر- أنه لا ينال عهدُ اللهِ بالإمامة ظالمًا، ففيها إعلام مِن الله لإبراهيم الخليل -عليه السلام- أنه سيوجد مِن ذريتك مَن هو ظالم لنفسه، كما تقدَّم عن مجاهد وغيره، والله أعلم. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا شاهدًا، ولا راويًا" (انتهى من تفسير ابن كثير).

وقال القرطبي -رحمه الله- في مسائل هذه الآية: "السابعة عشرة: قوله -تعالى-: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، الإمام: القدوة. ومنه قيل لخَيْط البناء: إمام. وللطريق: إمام؛ لأنه يُؤَمُّ فيه للمسالك، أي يُقْصَد. فالمعنى: جعلناك للناس إمامًا يأتمُّون بك في هذه الخِصَال، ويقتدي بك الصالحون. فجعله اللهُ -تعالى- إمامًا لأهل طاعته؛ فلذلك اجتمعت الأمم على الدعوى فيه -والله أعلم- أنه كان حنيفًا".

وقال في المسألة المُوَفِّيَة عشرين: "قوله -تعالى-: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ): اخْتُلف في المراد بالعهد، فروى أبو صالح عن ابن عباس أنه: النبوة، وقاله السدي. وقال مجاهد: الإمامة. وقال قتادة: الإيمان. وقال عطاء: الرحمة. وقال الضحاك: دين الله -تعالى-. وقيل: عهده أمره. ويُطلق العهد على الأمر، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا) (آل عمران:183)، أي: أمرنا -يعني: اليهود-. وقال: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ) (يس:60)، يعني: ألم أُقدِّم إليكم الأمر به، وإذا كان عهد الله هو أوامره فقوله: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي: لا يجوز أن يكونوا بمَحَلِّ مَن يُقبل منهم أوامر الله ولا يقيمون عليها، على ما يأتي بيانه بعد هذا آنفًا -إن شاء الله تعالى-.

وروى معمر عن قتادة في قوله -تعالى-: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمَن به، وأكل وعاش وأبصر.

قال الزجَّاج: وهذا قول حسن، أي: لا ينال أماني الظالمين، أي: لا أُؤَمِّنُهم من عذابي.

وقال سعيد بن جبير: الظالم هنا: المشرك. وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مُصرِّف: لا ينال عهدي الظالمون، برفع الظالمون. الباقون بالنصب. (قلتُ: هذه قراءة شاذة مخالفة لرسم المصحف، لا يجوز التلاوة في الصلاة وغيرها بها)، وأسكن حمزة وحفص وابن محيصن الياء في عهدي، وفتحها الباقون.

الحادية والعشرون: استدل جماعة مِن العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون مِن أهل العدل والإحسان والفضل، مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا يُنازِعوا الأمر أهله، على ما تقدَّم مِن القول فيه؛ فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل؛ لقوله -تعالى-: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).

ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي -رضي الله عنهم-، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهلُ المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحَرَّةُ التي أوقعها بهم مُسلمُ بنُ عقبة.

والذي عليه الأكثر مِن العلماء: أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى مِن الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج؛ فاعلمه.

(قلتُ: أما خروج مَن خرج مِن الأفاضل؛ فكان على ما رأوه مِن أن المصلحة راجحة في الخروج، والخروج على الظالم مبني على مراعاة المصالح والمفاسد، وقد وقع اجتهادهم خطأ منهم. وإن كان عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- هو إمام وقته ومَبْغِيٌّ عليه وليس باغيًا؛ بل مَن بُويع له بعده -مِن مروان ثم عبد الملك، ومَن ولَّاهم عبد الملك كالحجاج- هم البُغاة عليه؛ ولكن قُتِل مظلومًا؛ فلما استقر الأمر لعبد الملك بن مروان صار هو الخليفة، وبايعه عبدالله بن عمر لتغلبه. وقد ذكر العلماء العلة في الصبر على طاعة الإمام الجائر -مع عدم لزوم طاعته إلا في المعروف- أنها: الحرص على الأمن، ومنع إراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء والفساد في الأرض؛ وبهذا تتفق أقوال السلف في الحقيقة؛ وإن اختلفت اجتهاداتهم في تطبيق الواقع).

الثانية والعشرون: قال ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَاد: وكل مَن كان ظالمًا لم يكن نبيًّا، ولا خليفة، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يُعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد. وما تقدَّم من أحكامه مُوافقًا للصواب ماضٍ غير منقوض. وقد نصَّ مالك على هذا في الخوارج والبغاة؛ أن أحكامهم لا تُنقض إذا أصابوا بها وجهًا مِن الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع، أو يخالفوا النصوص. وإنما قلنا ذلك؛ لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم يُنقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئًا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة، ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا؛ فدلَّ على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يُتعرَّض لأحكامهم.

(قلتُ: وهذا يدلُّ على أن جماهير العلماء يرون الخوارج مِن أهل الملة؛ لأنه لا نزاع في أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال).

الثالثة والعشرون: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وأما أخذ الأرزاق مِن الأئمة الظلمة؛ فلذلك ثلاثة أحوال:

- إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذًا على مُوجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون مِن يد الحجاج، وغيره.

- وإن كان مُختلطًا حلالًا وظلمًا -كما في أيدي الأمراء اليوم- فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كَلِصٍّ في يده مالٌ مسروقٌ، ومالٌ جيد حلال وقد وكَّله فيه رجل؛ فجاء اللص يتصدق به على إنسان؛ فيجوز أن تُؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق، إذا لم يكن شيء معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحًا لازمًا -وإن كان الورع التنزه عنه-، وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها، وإنما تحرم لجهاتها.

- وإن كان ما في أيديهم ظلمًا صراحًا؛ فلا يجوز أن يُؤخذ مِن أيديهم. ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبًا -غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب- فهو كما لو وُجِد في أيدي اللصوص وقُطَّاع الطريق، ويُجعل في بيت المال ويُنتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يُعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين" (انتهى مِن تفسير القرطبي).

(قلتُ: وكلام ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد  في غاية الإتقان والأهمية كذلك).