كيف نتعامل مع المشروع الأشعري المعاصر؟

  • 225

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلا يخفى على أحدٍ أن هناك محاولات حثيثة لبعث المشروع الأشعري الصوفي مرة ثانية بعد أن فتر سوقه لعقودٍ طويلةٍ، ولم تعد تنفق مقالاته الكلامية الجافة والبعيدة عن مشاكل الواقع، ولم تعد مبالغات الصوفية وخرافات بعضهم، وسيطرتهم على العامة والخاصة باسم الولاية والكرامات تجد لها سوقًا رائجًا، بعد أن تغيرت ثقافة العصر، ولم تعد العقول تقبل مثل هذا الخطاب الجامد القائم على التقليد والخرافة والفلسفات الكلامية المعقدة، والتي لا نفع مِن ورائها.

كل هذه العوامل كانت سببًا في كساد هذا المشروع، واستطاع المنهج السلفي تقديم الخطاب الذي يجمع بين أكثر ما ظنه الناس متناقضًا، بين العلم والدين، والدين والدنيا، والأصالة والمعاصرة، وتقدير التراث مع تعظيم الاستدلال بالوحي، وفتح باب التجديد والاستدلال المنضبط؛ ولهذا وجد كثير من دعاة الإصلاح: كمحمد رشيد رضا، والبشير الإبراهيمي، وعبد الحميد بن باديس، وغيرهم، ضالتهم في المنهج السلفي الذي كانت تتجدد معالمه مع انتشار كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والتي أعادت الثقة لمنهج السلف في نفوس كثيرٍ مِن العلماء وطلبة العلم، والمثقفين.

ويقوم المشروع الأشعري على ثلاثة مكونات: علم الكلام الأشعري والماتريدي في الاعتقاد، والتزام تقليد مذهب فقهي من المذاهب الأربعة المذهبية وَفْق نسق خاص، والتزام التصوف كطريق للتهذيب والسلوك.

ويتسم بعدة سمات، منها:

1- إحياء التعصب للمذهب كوسيلة لجمع الأتباع، وهذا ملاحظ في كثيرٍ مِن الكتابات التي تروِّج للمشروع في مواقع التواصل، أو الكتب المنشورة والمطبوعة.

2- تبني السياسة الاقصائية، واحتكار الحق فيهم، واعتبار مَن سواهم أهل بدع وضلالة، وهذا كان ظاهرًا في مؤتمر الشيشان غيره.

3- تقديم المواجهة مع السلفية على ما سواها مِن المشاريع المخالفة، وهذا يفسِّر سبب التحالف الصوفي الأشعري / العلماني في كثيرٍ مِن الأحيان، فمواجهة السلفية مقدمة على مواجهة الروافض والعلمانية أو بتعبير بعض المتعصبين: معركتنا في استرداد الخطاب الإسلامي الذي سرقته منا الوهابية، ثم بعد ذلك نتفرغ للروافض، والعلمانيين، وغيرهم.

كيف نتعامل مع هذا المشروع؟

هناك عدة عوامل لا يمكن إغفالها مع المشروع الأشعري، وهي:

1- أن هناك خلافات حقيقية بينه وبين المنهج السلفي لا يمكن تذويبها ولا إغفالها، ولا محاولة تجميلها باعتبارها خلافًا لفظيًّا أو خلافًا سائغًا؛ ففي كل مكون من المكونات الثلاثة: (علم الكلام - التقليد المذموم - التصوف غير المنضبط) إشكالات كبيرة لا يمكن تسويغها.

2- الالتزام بالعدل؛ فهو واجب مع كل أحدٍ مِن أي أحدٍ، والظلم حرام مِن كل أحدٍ مع أي أحدٍ، ومِن مظاهر الجور في ذلك: (تكفير المخالف - تعميم الأخطاء الفردية - عدم التفريق بين درجات المخالفة والمخالفين)؛ فلا يمكن التسوية بين مَن جُل همه في إخراج الناس مِن السُّنة إلى البدعة، ومَن أكثر جهده في الدعوة للسنة والشريعة والدفاع عنها، ومكافحة أهل الشر والفساد، ولكنه يلتزم بعض البدع تقليدًا لغيره، وهذا التفريق بين الداعية للبدعة والمقلِّد فيها مشهور عند السلف.

3- مراعاة المجال الذي تُناقَش فيه هذه الخلافات، فما أنت بمحدثٍ قومًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، فإشغال العوام من غير ضرورة في الخلافات الدقيقة = مسلك غير موفق وغير رشيد، وإنما يعلَّم العوام ما ينفعهم من أمور دينهم في الاعتقاد والعمل والسلوك، والرد على البدع يكون على قدر الحاجة معهم.

4- أن هناك مجالات للتعاون في القدر المتفق عليه، مثل: مواجهة المشروع التغريبي العلماني، والمشروع الرافضي، ومحاربة الدعوة للرذيلة، والتفسخ الأخلاقي، وتبقى الخلافات تناقَش وتنكر بالعلم والعدل.

ورحم الله شيخ الإسلام القائل -الذي عانى مِن بغي خصومه مِن الأشاعرة عليه، ومع ذلك كان ملتزمًا بالعدل، بل والرحمة، بل والتعاون معهم في القَدْر المشروع، مع إنكاره عليهم ما خالفوا فيه السُّنة-: "والناس يعلمون أنه كان بين ‌الحنبلية ‌والأشعرية وحشة ومنافرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين وطلبًا لاتفاق كلمتهم، واتباعًا لما أمرنا به مِن الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة وبيَّنتُ لهم أن الأشعري كان مِن أجل المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد -رحمه الله- ونحوه المنتصرين لطريقه، كما يذكر الأشعري ذلك في كتبه. وكما قال أبو إسحاق الشيرازي: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة... وكنت أقرر هذا للحنبلية، وأبين: أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم... ولما أظهرت كلام الأشعري -ورآه الحنبلية- قالوا: هذا خير مِن كلام الشيخ الموفق وفرح المسلمون باتفاق الكلمة. وأظهرت ما ذكره ابن عساكر في مناقبه أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيري؛ فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة، ومعلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم... هذا مع أني دائمًا ومَن جالسني يعلم ذلك مني؛ أني مِن أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي مَن خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها: وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. وما زال السلف يتنازعون في كثيرٍ مِن هذه المسائل ولم يشهد أحدٌ منهم على أحدٍ؛ لا بكفر ولا بفسق، ولا معصية" (باختصارٍ من مجموع الفتاوى).

بل يقول عن القاضي زين الدين بن مخلوف، وهو الذي تولى كبر المحنة التي تعرَّض لها شيخ الإسلام، وسُجِن بسببها في مصر: "وابن مخلوف لو عمل مهما عمل، والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ هذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع الأمور، فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين. ولو كنت خارجًا لكنت أعلم بماذا أعاونه" (مجموع الفتاوى).

هكذا يكون الفقه، وهكذا تكون النفوس الكبار، وهكذا يكون العلم والعدل.