دروس وعِبَر مِن قصة أصحاب الجنة

  • 89

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

مقدمة:

- أنها قصة تتكرر في كل مكان وزمان، وهي قصة الحرص على الدنيا، ومنع حق الفقراء والمساكين، وبيان عاقبة ذلك: قال -تعالى-: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ . فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ . فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ . قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ . قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ . عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ . كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (القلم:17-33).

شرح مجمل للقصة:

- إنا اختبرنا أهل مكة بالجوع والقحط، كما اختبرنا أصحاب الحديقة حين حلفوا فيما بينهم، ليقطعُنَّ ثمار حديقتهم مبكِّرين في الصباح، فلا يَطْعَم منها غيرهم من المساكين ونحوهم، ولم يقولوا: إن شاء الله، فأنزل الله عليها نارًا أحرقتها ليلًا وهم نائمون، فأصبحت محترقة سوداء كالليل المظلم، فنادى بعضهم بعضًا وقت الصباح: أن اذهبوا مبكرين إلى زرعكم، إن كنتم مصرِّين على قطع الثمار، فاندفعوا مسرعين، وهم يتسارُّون بالحديث فيما بينهم: بأن لا تمكِّنوا اليوم أحدًا مِن المساكين من دخول حديقتكم، وساروا في أول النهار إلى حديقتهم على قصدهم السيئ في منع المساكين مِن ثمار الحديقة، وهم في غاية القدرة على تنفيذه -في زعمهم!-، فلما رأوا حديقتهم محترقة أنكروها، وقالوا: لقد أخطأنا الطريق إليها، فلما عرفوا أنها هي جنتهم، قالوا: بل نحن محرومون خيرها؛ بسبب عزمنا على البخل ومنع المساكين، قال أعدلهم: ألم أقل لكم: هلا تستثنون وتقولون: إن شاء الله؟ قالوا بعد أن عادوا إلى رشدهم: تنزَّه الله ربنا عن الظلم فيما أصابنا، بل نحن كنا الظالمين لأنفسنا بترك الاستثناء وقصدنا السيئ؛ فأقبل بعضهم على بعض يلوم كل منهم الآخر على تركهم الاستثناء، وعلى قصدهم السيئ، قالوا: يا ويلنا إنا كنا متجاوزين الحد في منعنا الفقراء ومخالفة أمر الله، عسى ربنا أن يعطينا أفضل من حديقتنا؛ بسبب توبتنا، واعترافنا بخطيئتنا، إنا إلى ربنا وحده راغبون، راجون العفو، طالبون الخير (التفسير الميسر).

دروس وعِبَر من القصة:

(1) المال من أعظم فتن الدنيا:

- كان المال والغنى سببًا في بخل أصحاب الجنة ومنعهم حق الله في المال: قال قتادة: "كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدَّق، فكان بنوه ينهونه عن الصدقة، وكان يمسك قوت سنته، وينفق ويتصدَّق بالفضل؛ فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا: (أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ)" (الدرر المنثورللسيوطي).

- المال للإنسان؛ إما نعمة، وإما نقمة: قال -تعالى- عن سليمان -عليه السلام- لما أعطى المال والملك: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) (النمل:40)، وقال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7).  

- ليس المال دليلًا على محبة الله ورضاه عن العبد؛ وإلا فقد أعطاه الكفار والفجار: قال -تعالى-: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) (المؤمنون:55-56)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام:44) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

(2) كفر النعم وعدم الشكر سبب في تعجيل العقوبة:

- أصحاب البستان لم يؤدوا شكر النعمة، ومنعوا الزكاة بخلًا، فكانت العقوبة: قال -تعالى- في خاتمة القصة: (كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (القلم:33).   

- وكذلك مصير كل جاحد لنعمة الله، تارك لشكرها وأداء ما أوجبه الله عليه فيها: قال -تعالى- عن صاحب الجنتين: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) (الكهف:42-44)، وقال عن قارون: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) (القصص:81).

- الشكر وأداء الحقوق من أعظم أسباب حفظ النعم: قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)، وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا" (عدة الصابرين لابن القيم)، وقال سفيان بن عيينة في قوله -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، قال: "نُسْبِغَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، وَنَمْنَعُهُمُ الشُّكْرَ" (الشكر لابن أبي الدنيا)، وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "قَيِّدُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ" (الشكر لابن أبي الدنيا).

(3) ذم البخل والحرص:

- حرص أهل الجنة على حصد الثمار ليلًا؛ بخلًا وإمساكًا عن إخراج الجزء، فكان عاقبة ذلك ذهاب الكل: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ).

- كره الشرع حصد الثمار ليلًا، حفاظًا على حق الفقير: ففي الحديث: "نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلَّم- عَنِ الْجِدَادِ بِاللَّيْلِ , وَالْحَصَادِ بِاللَّيْلِ" (رواه البيهقي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة)، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عمال الزكاة أن يتركوا ثلث الثمر أو ربعه خارج حسبة الزكاة، ليخرج منه صاحب الثمر للجيران والأقارب والفقراء.

- البخل صفة ذميمة يكرهها كل الناس، ويؤدي إلى أسوأ الأخلاق: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (شرُّ مَا في الرجل شُحٌّ هالِعٌ، وجُبْنٌ خَالِعٌ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

- البخيل ضعيف اليقين: لقوله -تعالى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ:39)، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا) (متفق عليه).

- البخيل تعيس مكروب الصدر في الدنيا، معاقب معذب في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران:180).

- كما يُحجر على المسرف؛ فإنه يُتصرف في مال البخيل بغير إذنه عند الضرورة: عن هند بن عتبة -رضي الله عنها- قالت: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ ما يَكفينِي ويَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا ما أَخَذْتُ مِنْ مالِهِ بغيرِ عِلْمِهِ، فهلْ عَلَيَّ في ذلكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فقالَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ) (متفق عليه).

خاتمة: خير الأمور الوسط:

- لم يَطلب الشرع من الأغنياء إخراج جميع مالهم، وفي ذات الوقت نهاهم عن الإمساك والامتناع عن منع حق الفقير في مالهم، فكان الشرع وسطًا في ذلك: قال -تعالى-: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء:29)، وقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة:143).

- الوسطية والاعتدال صفة عباد الرحمن: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان:67).

- منهج الوسطية والاعتدال في مثال: عن أنس -رضي الله عنه- قال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، وَذُو أَهْلٍ وَوَلَدٍ، وَحَاضِرَةٍ، فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقُ؟ وَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتَعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ، وَالْجَارِ، وَالْمِسْكِينِ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْلِلْ لِي، قَالَ: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ورجاله ثقات).

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.