الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (7)

  • 121

قصة بناء الكعبة (5)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -تعالى-: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124).

مِن فوائد هذه الآية:

الفائدة الخامسة: أن الإمامة لا ينالها -بأمر الله الشرعي- ظالمٌ:

وأجمع ما قيل في ذلك قول ابن خُوَيْز مَنْدَاد المالكي: "الظالم لا يصلح أن يكون خليفة، ولا حاكمًا ولا مفتيًا ولا شاهدًا ولا راويًا".

والظلم نوعان: ظلم أكبر؛ وهو الشرك بالله، قال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13)، ولا نزاع أنه لا ينال الظالم -هذا الظلم الأكبر- أيَّ نوع من الإمامة التي ذكرها ابن خُوَيْز مَنْدَاد؛ فلا يكون خليفة ولا قاضيًا، ولا مفتيًا، ولا شاهدًا ولا راويًا، ويُرد كل ذلك منه.

والنوع الثاني من الظلم: الظلم الأصغر -وهو أشمل-؛ ظلم العبد لنفسه بالمعاصي دون الشرك؛ وهو الذي قال فيه الصحابة لما سمعوا قول الله -عز وجل-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82)، قالوا: "أيُّنا لم يظلم نفسه؟!".

وهو -الظلم الأصغر- يشمل الصغائر، وهي تُكفَّر باجتناب الكبائر، مع المحافظة على الفرائض، قال الله -تعالى-: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) (النساء:31)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضانُ إلى رَمَضانَ، مُكَفِّراتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ) (رواه مسلم).

والكبائر وهي لا تكفر إلا بالتوبة؛ فمَن لم يتب ظلَّ حكم الظالم ملازمًا لمرتكبها؛ وبالتالي: لا يصح أن يكون إمامًا يُقتدَى به في الدِّين شرعًا، وإنما قلنا: شرعًا؛ ليخرج مِن ذلك ما يقع كونًا وقَدَرًا؛ فقد يتولى بعض الولايات في بعض الأزمان وفي بعض الأمكنة ظالمون، ولكن هذا ليس مِن شرع الله -سبحانه-، ولا يجوز فعله، وإن كان تغييره يخضع لقضية المصالح والمفاسد، ولا يمضي أمرُ الظالم إلا ما وافق الشرع.

وإن كان إدراكُ الفرق بين المطلوب شرعًا والممكن المتاح الواقع قدرًا ضروريًّا للغاية؛ وذلك أن عدم إدراك الفرق يترتب عليه: إهمال موازين القدرة والعجز، والقوة والضعف، والمصلحة والمفسدة، وعامة الفتن تقع من هذا الباب؛ فيرى بعض الناس أن المطلوب شرعًا تولية العدل هذه الولايات وعدم تولية الظالم، ولا يرون القدرة والقوة على ذلك؛ فيصطدمون بالواقع المؤلم، ويهلك في ذلك الآلاف وأكثر؛ لأنهم لم يراعوا قاعدة المصالح والمفاسد التي مِن أجلها أَمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبر على أئمة الجور، وقال: (فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ) (متفق عليه)، مع وجود المنكرات، وإن كان قد مَنَع مِن الرضا والمتابعة، فقال: (فَمْنَ أنَكَرَ فَقَدْ بَرِيءَ، ومَنْ كَرِهَ فقدْ سَلِمَ، ولكن مَنْ رضِيَ وتابَعَ) (رواه مسلم).

بل في الحقيقة مِن أجل هذه القاعدة شَرَع الله التدرج في أمر جهاد الكفار فمَن دونهم؛ فكان الجهاد منهيًّا عنه، قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (النساء:77)، وذلك عندما كان المسلمون مستضعفين بمكة، ثم صار مأذونًا فيه في أول قدومهم المدينة، قال الله -تعالى-: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39)، ثم صار مأمورًا به لمَن قاتلنا دون مَن يقاتِل؛ وهو قتال الدفع، قال -تعالى-: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)، ثم صار مأمورًا به لكل الكفار حسب القدرة والاستطاعة؛ وهو جهاد الطلب، قال -تعالى-: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة:36)، مع بقاء إعمال هذا الترتيب حسب الحاجة إليه، وحسب القدرة والمصلحة، وبقاء تشريع أنواع العهود المختلفة حسب مصلحة المسلمين.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فمَن كان في أرض هو فيها مستضعف، عمل فيها بآيات الصبر والصفح والعفو عمَّن آذى الله ورسوله، ومَن كان عنده القدرة التامة، عمل بآيات قتال المشركين كافة" (انتهى بمعناه).

ومثل الجهاد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ هو نوع منه، فلابد مِن رعاية القدرة والعجز، والمصلحة والمفسدة؛ وإن كان هذا لا يعني زوال المطلوب شرعًا مِن قصد المكلفين وفهمهم للدِّين، وتبليغهم لغيرهم -الدِّين- مِن الأجيال القادمة؛ فلا يتغير المطلوب شرعًا بالعجز عنه؛ بل يَظلُّ معلومًا ومنقولًا للأجيال؛ حتى يأتي الحين الذي يتمكَّن فيه المسلمون منه، ولا يكون أهل الحق كأهل التبديل والتحريف الذين يُشرِّعون ترك ما أمر الله به القادرين عامًّا مطلقًا؛ لعجزهم في زمنٍ مِن الأزمان عنه؛ فيُبدَّل الدِّين، ويُفقَد جيلًا بعد جيلٍ! ومِن هذا الباب العمل بهذه الآية الكريمة: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).

فمَن يُشرِّع للناس تولية الظالمين دائمًا، وإهدار ما أمر الله به مِن عدم كونهم أئمة؛ بل يجعلهم كالخلفاء الراشدين في الحقوق، مع تضييعهم الواجبات؛ فيُلزِم باتِّباعهم في ترك الواجبات، وفعل المحرمات، وتشريع المخالفات؛ فالناس في هذا المقام ثلاث فِرَق:

الفرقة الأولى: نظرت إلى المطلوب شرعًا؛ دون النظر إلى القدرة والعجز، والمصلحة والمفسدة؛ فزعمت أنها تقاتِل حتى لا تكون فتنة، ويكون قتالُهم هو الفتنة: كالخوارج الذين جَمَعوا مع فساد العمل فساد الاعتقاد، وكالمُخطِئين مِن أهل السُّنة الذين خَرَجوا على الولاة؛ لظلمهم، فحدثت الفتن العظيمة، وإن كان أمرهم عند أهل السُّنة أنهم مجتهدون مخطئون لهم أجرٌ واحدٌ، مغفورٌ لهم خطؤهم، وليسوا كالخوارج كلاب النار المذمومين في الدنيا والآخرة؛ لفساد عقيدتهم، وتكفيرهم المسلمين، واستباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم؛ فمَن جعل طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص والحسين بن علي -رضي الله عنهم-، وسعيد بن جبير ومَن معه -رحمهم الله- وأمثالهم كالخوارج في الذمِّ؛ فقد ابتدع بدعة ضلالة، وسوَّى بين ما فرَّق بينه أهل السنة؛ رغم وجود القتال.

والفرقة الثانية: نظرت إلى الواقع دون المشروع؛ فجعلت الظلم عدلًا، والفساد صلاحًا، وبدَّلت الشرع؛ إرضاءً للظالمين، وحَللوا وحَرَّموا على أهوائهم؛ فصاروا أعظم فتنة مِن الفرقة الأولى، وعظم ضررهم في تحريف الكتاب، وتبديل الدِّين على أجيالٍ تلو أجيالٍ.

والفرقة الثالثة: جمعت في نظرها بين معرفة الشرع المطلوب -فحكمتْ به حكمًا عامًّا مطلقًا- وبين الواقع المقدَّر والمقدور عليه، والمعجوز عنه؛ فراعت المصالح والمفاسد، ولم تأمر في الواقِع المعين إلا بالممكن المقدور المتاح الذي يترتب عليه تحصيل أكبر قدرٍ مِن المصالح -وإن فات بعضها-، ودفع أكبر قدرٍ مِن المفاسد -وإن احْتُمِل بعضها-؛ مع بقاء الأمر العام المطلق هو الموافِق للشرع؛ فلم يفتنوا الناس، ولم يبدِّلوا الدِّين، ولا حَرَّفوا الكتاب، وهؤلاء هم أهل الحق مِن أهل السُّنة والجماعة.

نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا منهم، وأن يلحقنا بهم صالحين.