• الرئيسية
  • المقالات
  • الفساد (84) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (12) شركات الأدوية من التنافس على الأدوية إلى الصراع على اللقاح (2-2)

الفساد (84) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (12) شركات الأدوية من التنافس على الأدوية إلى الصراع على اللقاح (2-2)

  • 113

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمع بدء الدخول في فصل الشتاء في أواخر عام 2020 م ظهرت الموجة الثانية من موجات فيروس كورونا المستجد، وتفشَّى المرض من جديد وبشدة في دول العالم شرقًا وغربًا، وبدرجة فاقت ما كان في الموجة الأولى من الفيروس والتي بدأت من مقاطعة (يوهان) الصينية في سبتمبر من العام الماضي 2019 م؛ أي: في نفس التوقيت تقريبًا.

ثم انتشرت بعد ذلك شرقًا وغربًا في دول العالم بأسره بلا تمييز أو تفريق بين دول كبيرة وأخرى صغيرة، محدثة ضربة موجعة للاقتصاد العالمي واضطراب في البورصات العالمية، وانخفاض في أسعار البترول، وارتفاع في نسب البطالة جراء فقد الملايين لوظائفهم، مع إصابة الملايين بالمرض ووفاة مئات الألوف منهم، في كارثة لم تعرفها البشرية في عهدها الحديث بهذه الحدة، وهذا الانتشار؛ خاصة بعد أن وقفت البشرية عاجزة أمامها لشهور طويلة رغم كل ما وصلت إليه من رقي وتقدم علمي مذهل!

وقد جاءت الموجة الثانية في شتاء هذا العام تحمل نُذرًا خطيرة؛ حيث ارتفعت نسب المصابين بالفيروس، وما زالت النسب مستمرة في التزايد في أنحاء العالم، وارتفعت معها حالات الوفاة، مهددة حال استمرارها على هذه المعدلات بإحداث ركود اقتصادي جديد أشد، ودافعة إلى عزل صحي وغلق مجتمعي جديد لا مفر منه.

وقد ارتبطت الموجة الثانية من انتشار الفيروس بظاهرتين:

الظاهرة الأولى: ظهور سلالة جديدة من فيروس كوفيد 19 لم تكن موجودة من قبل، وقد ظهرت هذه السلالة أول ما ظهرت في بريطانيا، وهي سلالة جديدة أسرع انتشارًا من السلالة القديمة ولديها قدرة أكبر على اختراق الغشاء المخاطي للأنف، وتصيب الأطفال والشباب بنسب أكثر من السلالة القديمة، حتى إنها صارت مسئولة عن 60% من الإصابات الجديدة في العاصمة لندن، وهي ما زالت خارج السيطرة حتى الآن؛ مما تسبب في حدوث حالة من القلق الشديد في أوروبا والعالم.

ومما زاد الأمر خوفًا ما أشارت إليه صحيفة (التليجراف) البريطانية في تقرير لها في النصف الثاني من شهر ديسمبر 2020 م أن بداية ظهور السلالة كان في شهر سبتمبر الماضي بجنوب شرق إنجلترا، وخلال شهرين تسببت في زيادة الإصابة بنسبة 28 % من الحالات المسجلة في بريطانيا التي تكتمت وتأخرت في الإعلان عن هذه السلالة رغم علمها به.

وكما حدث مع الصين في بداية الموجة الأولى كان الأمر مع بريطانيا؛ إذ سارعت الكثير من دول العالم داخل وخارج أوروبا إلى تعليق رحلات شركات الطيران مع بريطانيا، منها: النرويج، وهولندا، وبولندا، وبلجيكا، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، والسويد، وإيطاليا، وتركيا، والدنمارك، والتشيك، وبلغاريا، وليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا؛ بالإضافة إلى الهند.

ولم يسلم الأمر من الانتشار؛ إذ سرعان ما ظهرت السلالة الجديدة في بعض الدول الأوروبية الأخرى المجاورة لبريطانيا، بل وظهرت في جنوب إفريقيا ثم نيجريا، فقد (أكدت منظمة الصحة العالمية: أنه تم رصد السلالة الجديدة لفيروس كورونا في 8 دول بأوروبا، داعية إلى تشديد الإجراءات الوقائية الضرورية. وقال مدير المكتب الأوروبي للمنظمة (هانس كلوجي) عبر (تويتر): أن السلالة الجديدة على خلاف السلالات السابقة تنتشر بين الفئات العمرية الأصغر، أي: الأطفال والشباب.

وأكَّدت دراسة أجراها مركز النمذجة الرياضية للأمراض المعدية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي: أن السلالة المتحورة معدية أكثر من السلالات الأخرى بنسبة 56%، لكن لا دليل على أنها أكثر فتكًا من السلالات الأخرى. ومع ذلك توقع العلماء: أن تكون حصيلة الوفيات في عام 2021 م أعلى من عام 2020 م بسبب السلالة الجديدة) (راجع في ذلك: جريدة المصري اليوم عدد الأحد 27 ديسمبر 2020 م، ص 5).

وقد بدأت حملات التطعيم يوم الأحد 27 ديسمبر (في جميع دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 بعد ما أقرت الجهات المنظمة لقاح (فايزر - بايونتيك) في 21 ديسمبر. وحذَّر مدير منظمة الصحة العالمية (تيدروس أدهانوم جيبرييسوس): مِن أن اللقاحات توفِّر مخرجًا للعالم من هذه المأساة، لكن تطعيم العالم بأسره سيستغرق وقتًا) (المصدر السابق).

تحور الفيروسات:

مِن خصائص الفيروسات: قدرتها على التحور، في محاولة منها لإطالة عمرها، وهذا التحور قد يزيدها شراسة وقوة أو قد يضعفها. ومِن تجارب اللقاحات السابقة لأمراض أخرى سابقة؛ فإن اللقاح المخصص لفيروس يمكنه غالبًا التغلب على الفيروس المحور؛ وإلا فيمكن تصنيع لقاح جديد فعَّال ضد الفيروس المحور في غضون فترة قصيرة، ومن أشهر الصور على ذلك: لقاح فيروس الأنفلونزا الذي يتحور كل عام مما يتطلب قيام شركات الأدوية بإعداد لقاح جديد كل عام يتناسب مع فيروس العام الحالي.

الظاهرة الثانية: ظهور بشائر الوصول إلى إنتاج لقاحات من بعض شركات الأدوية الكبرى بإعلانها عن إنتاج لقاحات مضادة لفيروس كورونا المستجد. وقد سارعت الدول الكبرى بحجز الدفعات الأولى من اللقاحات التي حصلت على ترخيص مؤقت (ترخيص طوارئ) لتطعيم مواطنيها، في الوقت التي انفردت الولايات المتحدة الأمريكي بأولوية تطعيم الأمريكيين على غيرهم من اللقاح الأمريكي المعلن عن الوصول إليه.

وتستخدم اللقاحات للوقاية من الأمراض المعدية منذ عقود، ويطعم بها ملايين من البشر بأمان؛ لأن اللقاحات على غرار الأدوية لا تستخدم قبل الخضوع قبل التعميم لاختبارات مكثفة وصارمة؛ لضمان الصلاحية ودرجة الأمان قبل إدراجه في أي برنامج تطعيم في بلدٍ ما، فيجب أن يخضع كل لقاح قيد التطوير في المقام الأول لعمليات فحص وتقييم قبل المرحلة السريرية دون أي اختبار على إنسان، حيث يختبر اللقاح التجريبي أولًا على الحيوانات لتقييم مأمونيته وقدرته على الوقاية من المرض.

فإذا بلغ اللقاح الاستجابة المناعية المنشودة؛ فإنه يُختبر في إطار تجارب سريرية بشرية على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: فيها يُعْطَى اللقاح لعددٍ صغيرٍ مِن المتطوعين لتقييمه وتحديد جرعته المناسبة، وتختبر اللقاحات في هذه المرحلة على متطوعين من الشباب البالغين والمتمتعين بصحة جيدة.

المرحلة الثانية: ويعطى فيها اللقاح لعدة مئات من المتطوعين؛ لمواصلة تقييم مأمونيته وقدرته على توليد الاستجابة المناعية، ويتمتع المشاركون في هذه المرحلة بخصائص مماثلة لخصائص مَن يستهدفهم اللقاح مثل التماثل في الجنس والسن، وتجرى عادة تجارب عديدة في هذه المرحلة لتقييم الفئات العمرية ومختلف تركيبات اللقاح، وتدرج عادة مجموعة من الأشخاص غير المطعمين باللقاح في هذه المرحلة كمجموعة للمقارنة من أجل تحديد ما إذا كانت التغييرات الطارئة في مجموعة الأشخاص المطعمين تعزى إلى اللقاح أو ما إذا حدثت بالصدفة.

المرحلة الثالثة: وفيها تجرى التجارب على مجموعة أكثر بكثير من الأشخاص وعلى نطاق عدة بلدان وعدة مواقع داخل بلد معين؛ لضمان انطباق نتائج أداء اللقاح على عدة فئات سكانية مختلفة، ولضمان عدم تأثر المتطوعين والعلماء في تقييهم للقاح تتلقى مجموعة مماثلة من الأشخاص لم يعطوا اللقاح منتجًا آخر يستخدم كأساس للتجربة، ويسمى هذا التدبير (التعمية)، وهو تدبير ضروري لضمان عدم تأثر المتطوعين والعلماء في تقييمهم للقاح، وبعد انتهاء التجربة والحصول على جميع النتائج تكشف للمتطوعين والعلماء الذين أجروا التجربة المعلومات عن هوية مَن تلقى اللقاح، ومَن تلقى المنتج كأساس للمقارنة.

وعندما تتوافر نتائج جميع هذه التجارب السريرية يلزم اتخاذ سلسلة من الخطوات بإجراء عمليات لاستعراض النجاعة والمأمونية من أجل الحصول على الموافقة التنظيمية وموافقة سياسات الصحة العامة.

ويستعرض المسؤولون في كل بلدٍ بيانات الدراسة، ويقررون بعدها التصريح أو عدم التصريح باستخدام اللقاح، ويجب أن تثبت مأمونية ونجاعة اللقاح لدى شريحة واسعة من السكان قَبْل الموافقة عليه وبدء استخدامه في إطار برنامج وطني للتطعيم، وعادة يحدد مستوى عال للغاية لمعياري مأمونية اللقاحات ونجاعتها، علمًا بأن اللقاحات تعطى لأشخاص غير مصابين بالمرض المعني تحديدًا، وتوجد نظم لرصد مأمونية جميع اللقاحات ونجاعتها حتى يمكن تتبع تأثير اللقاحات ومأمونيتها بعد إعطائها لعددٍ كبيرٍ من الأشخاص على مدى فترة زمنية طويلة، وتستخدم هذه البيانات لتعديل السياسات الخاصة باستخدام اللقاحات بهدف تحسين تأثيرها على وجه أمثل.

واللقاحات ضد فيروس كورونا المستجد المعلن عنها للتسويق حتى الآن هي:

- لقاح (فايزر - بيونتوك) الأمريكي، ودلت التجارب الأولية على أن نسبة نجاحه بلغت 95 %، ولكنه يحتاج إلى ظروف نقل صارمة إذ يجب نقله في درجة حرارة أقل مِن سبعين درجة مئوية تحت الصفر.

- لقاح (موديرنا) الأمريكي، ودلت التجارب الأولية على أن نسبة نجاحه بلغت أيضًا 95 %.

- لقاح (أكسفورد - استرزنكا)، ودلت التجارب الأولية على نسبة نجاح بلغت 90%.

- لقاح (سينوفاك) الصيني، ودلت التجارب الأولية على أن نسبة نجاحه تزيد عن 50%، ولكن دون تحديد مقدار هذه الزيادة.

- لقاح (سينوفارم) الصيني، وهو اللقاح الوحيد في اللقاحات المعلن عنها لم تنشر أي بيانات عنه بعد، فلا يعرف بعد نسبة نجاحه ونتائج تجاربه الأولية، وقد سارعت الإمارات والبحرين بالإعلان عن الموافقة على التعامل مع هذا اللقاح.

أما لقاح (نوفافاكس) فهو لشركة أمريكية ولم يعلن عن تسويقه بعد. (راجع في ذلك: فيديو (المطعوم (اللقاح): إجابات علمية عن 20 سؤالًا) للدكتور (إياد قنيبي) على موقع اليوتيوب).

المتاجرة بالأدوية في السوق السوداء:

جاءت موجة كورونا الثانية لتنعش من جديد مبيعات شركات أدوية المناعة؛ خاصة إذ زادت إنتاجها منها بكميات كبيرة لتلبية الطلب عليها، ولم يمنع ذلك فتح الباب لظهور سوق سوداء تباع فيها بعض هذه الأدوية بأسعار باهظة، وبصورة مبالغ فيها، لقد تحول الحصول على هذه النوعية من الأدوية والبحث عنها أزمة، وبعد أن تراجعت تلك الأزمة من تراجع شدة الموجة الأولى من المرض عادت لتتجدد وبأشد مما كانت مع بدء الموجة الثانية للمرض، وهو ما دفع البعض إلى اللجوء للحصول على المزيد من هذه النوعية من الدواء وتخزين الكميات منها، لتتفاقم الأزمة أكثر وأكثر، بل دشنت إحدى الشركات المنتجة للدواء موقعًا إلكترونيًّا للتواصل مع المرضى مباشرة دون وسيط.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك: ما حدث مع عقار (الهيدروكسي كلوروكين)، وهو عقار قديم يستخدم منذ أكثر من 20 عامًا في علاج الملاريا، ويعطى لمرضى الزئبقة، كما يعطى لمرضى الروماتويد، ومنهم مَن يعيشون عليه لفترات طويلة من العمر، ويكون ذلك من خلال تحت إشراف طبي؛ حيث إن له أعراضًا جانبية على الكلى والكبد، وقد يمنع عن مرضى الضغط والسكر والقلب، حيث يحتاج تناول العقار لتوفر ظروف صحية معينة، ولهذا لم يكن إنتاج الشركات قبل أزمة كورونا كبيرًا.

ومع ظهور مرض الكورونا جاء الترويج لهذا العقار؛ بدعوى أن له دورًا مؤثرًا في علاج مرض الكورونا، وأنه يمكن استخدامه في بروتوكول علاج الكورونا في الحالات الخفيفة منها والمتوسطة، حيث يمنع العقار تضاعف عدد الفيروس في خلايا الجسم، وهو ما تحمست له الإدارة الأمريكية واعتبرته أول علاج للفيروس مكتشف، وعلى الفور زاد الطلب على العقار بصورة كبيرة، ليظهر العجز عن توفيره للجميع، ورغم أنه تم تسجيل العقار من قبل 20 شركة لتوفيره، لكن سرعان ما أصبح الحصول على العقار صعبًا، ولا يتوفر في الصيدليات الأهلية، بل يباع في السوق السوداء بأعلى من سعره الأصلي فبلغ خمسة أضعافه، وتدخلت الدولة لتوفيره من خلال المستشفيات الحكومية وفروع الشركة المصرية لتجارة الأدوية، وعددها 28 فرعًا بشروط وضوابط، منها: الحصول عليه من خلال روشتة طبية حديثة؛ لئلا يتم تخزينه.

ورغم أن الدواء يتم إنتاجه محليًّا، وأيضًا يتم استيراده من الخارج، لكن ذلك أصبح لا يكفي لتغطية العجز الموجود نظرًا لزيادة الإقبال عليه بسبب الاستخدام الجديد له على أنه يفيد في علاج حالات الكورونا وما أكثرها. (راجع في ذلك: مقال: (موجة كورونا الثانية تنعش السوق السوداء لأدوية المناعة) جريدة (فيتو) عدد الثلاثاء 15 ديسمبر 2020 م، ص 4).

وقد تعرض لقاح الأنفلونزا أيضًا هذا العام إلى نقص حاد في كمياته، لعله نتيجة قيود على حركة الطيران والشحن تزامنًا مع أزمة كورونا والتي أثَّرت على الاستيراد والتصدير، وبالتالي: عدم توفره في معظم الشركات التي تبيع الأدوية، وقد كان اللقاح يباع بأربعين جنيهًا، فارتفع سعره عدة مرات حتى بلغ 170 جنيهًا مع عدم توفره، حيث يحصل أصحاب الصيدليات عليه بنظام الكوتة، رغم أنه كان متوفرًا في السنوات السابقة، حيث يعطى مع قرب فصل الشتاء، فيستمر مفعوله لفترة طويلة يقي فيها الجسم من الإنفلونزا خلال شهور الشتاء، وهو يعطى لكل الأعمار، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. ولقاح الإنفلونزا يجدد كل عام؛ نظرًا لقدرة فيروس الإنفلونزا على التحور من عام لآخر (راجع في ذلك مقال: (بالتزامن مع أزمة فيروس كورونا: أسرار الاختفاء الكبير لمصل الأنفلونزا من جميع الصيدليات) - جريدة النبأ - عدد السبت 17 أكتوبر 2020 م: 6).

مافيا شركات الأدوية العملاقة:

كالعادة تتحول شركات الأدوية من خلال احتكارها لأدوية أو لقاحات لا يمكن الاستغناء عنها إلى مافيا تجني مكاسب خرافية وعلنية مبالغ فيها، وقد فُتحت أمامها أسواق ضخمة، تتمثل في مليارات من البشر يحتاجون إلى هذه الأدوية أو تلك اللقاحات في شتى بقاع الأرض، مستغلة انفرادها بهذا الدواء أو ذاك، ومتعللة بحقوقها الفكرية في إنتاج هذه الأدوية المحتكرة أو تلك اللقاحات.

وبالطبع فتوريد بعض هذه الشركات للقاح مضاد لفيروس كورونا المستجد في هذه الظروف الطارئة تعني من الربح الكثير والكثير، فبعد أن سارعت عدة حكومات غربية غنية وجهات مانحة بتقديم مليارات الدولارات لتغطية الأبحاث اللازمة لتطوير لقاح أو أكثر للتصدي لتفشى انتشار مرض كورونا القاتل في أسرع وقت ممكن؛ خاصة مع تعذر قيام الدول الفقيرة بذلك، وكذلك في ظل تحفظ بعض شركات الأدوية من الإكثار في الإنفاق على هذه الأبحاث وتمويلها ذاتيًّا؛ نظرًا لما منيت به في مرات سابقة، وفي ظروف مماثلة من خسائر نتيجة فشلها في تحقيق المطلوب منها، أو حصولها على هامش ربح ضئيل لا يرضي طموحها؛ فقد سبق وتعرضت بعض شركات منتجة للقاحات سابقة مضادة لوباء (سارس) إلى خسائر بعد انحسار الوباء سريعًا، بخلاف اللقاحات الموسمية: كلقاح إنفلونزا الشتاء الذي يعتبر مصدرًا معتبرًا للدخل للشركات التي تصنعه كل عام؛ خاصة وأن التوصل إلى دواء جديد أو لقاح يحتاج إلى عدة سنوات من جهد متواصل وتجارب كثيرة للتأكد من مدى فاعليته وتأثيره، ثم الاطمئنان التام من الأمان في استعماله.

وقد توقع الكثيرون: أن أي لقاح ضد فيروس كورونا المستجد سيلقى رواجًا كبيرًا؛ نظرًا لشدة انتشار المرض الذي غزا نحو 210 دولة من دول العالم، وأصاب حتى نهاية 2020 م أكثر من 80 مليون شخص، وتسبب في وفاة مليون وثلاثة أرباع مليون مصاب، ومتابعة الفيروس تؤكِّد أنه سيظل ضيفًا ثقيلًا لفترة طويلة قادمة، ولن يزول خطره قريبًا؛ فضلًا عن توقع الحاجة إلى جرعات تنشيطية من اللقاحات لعدة أعوام قادمة على الأقل؛ مما يشجِّع على البذل والمغامرة بالبحث والتطوير للقاح فعَّال في هذه المرة؛ لتوقع الطلب المستمر، بل والمتزايد عليه.

لقد تبرعت حكومات وجهات مانحة لتغطية تكلفة الأبحاث حيث قدمت الحكومات إجمالًا -حسب الإحصائيات النهائية- نحو 5و8 مليار دولار، وتبرع أيضًا أفراد موسرون بنحو 95و1 مليار دولار، بينما شاركت شركات الأدوية نفسها بنحو 38و3 مليار دولار فقط من استثماراتها الخاصة في هذا التمويل.

أسعار متباينة للقاحات:

تباينت الأسعار المعلنة للقاحات المعلن عنها؛ فأعلنت شركة (إسترا - زينكا) أنها ستسوق لقاحها بأربعة دولارات للجرعة الواحدة، حيث إن اللقاح يؤخذ على جرعتين، وهو أقل سعر معلن عنه حتى الآن.

بينما قررت شركة (مودرنا) الأمريكية وشركة (بايونتك) الألمانية، وتشاركهما شركة (فايزر) الأمريكية العملاقة لصناعة المستحضرات الطبية -للاستفادة من قاعدتها الصناعية الواسعة في كل أنحاء العالم- بيع لقاحها بسعر 37 دولار للجرعة الواحدة، وعللوا ذلك بالتكلفة العالية لنقل المنتج في درجة حرارة شديدة الانخفاض، وكذلك الرغبة في تحقيق أرباح تسمح بتوزيع عائد مجز للمساهمين في هذه الشركات، مع إمكانية تخفيض السعر؛ نظرًا للظروف الطارئة الحالية، وتوقع حدوث ذلك حال وجود عدة لقاحات أخرى تقلل من احتكار شركة أو شركتين للمنتج وتجعل سعره طبقًا لآليات العرض والطلب.

بينما متوقع توزيع اللقاح الصيني بسعر 10 دولارات.

وتتوقع بعض شركات الأدوية -وَفْقًا لصحيفة (الجارديان) البريطانية-: أن تبلغ حجم مبيعات سوق لقاح كورونا نحو 25 مليار دولار.

التمسك بالحقوق الفكرية:

حرصت الشركات المنتجة للقاحات حتى الآن حرصًا شديدًا على سرية عملية الإنتاج ذاتها، خاصة فيما يتعلق بتكنولوجيا محاكاة البصمة الوراثية (أر إن إيه) لدفع الجسم البشري لإنتاج الأجسام المضادة للفيروس، وتتذرع الشركات الكبرى في ذلك بحقوق الملكية الفكرية للاحتفاظ بأسرار الإنتاج لنفسها، ويعارض ذلك خبراء قانونيون بارزون: يرون أن هذه الذريعة مقبولة في الظروف العادية، أما في الظروف الطارئة فيتعذر استيعاب ذلك لدواع أخلاقية، إذ دعا البعض إلى اشتراط نقل الخبرة إلى الآخرين عند تقديم هبات وتبرعات إلى الشركات المنتجة، بهدف إلزام هذه الشركات بنقل الخبرة إلى شركات مناظرة لها في العالم، لتمكينها من إنتاج ما يلزم من لقاحات تسد الاحتياجات المحلية والعالمية في مواجهة الوباء في أسرع وقت ممكن.

ويزداد الأمر شراسة في ظل التوظيف السياسي لأزمة كورونا منذ بدايتها، لتتحول القضية من قضية طبية صحية إلى لعبة سياسية يتصارع فيها الكبار ليتحكموا في مصير الآخرين!

وتُعد اللقاحات أحد وأهم صور الصراع؛ لذا خضع الأمر لمزايداتٍ لا تليق بالعلم ولا بالطب، فمن محاولة الرئيس الأمريكي ترامب استغلال المبادرة بالإعلان عن أول لقاح أمريكي للقضاء على الفيروس لكسب أصوات الناخبين في انتخابات الرئاسة الأمريكية، إلى منافسة على الوصول للقاح لأغراض سياسية قبل الآخرين من قِبَل الصين وروسيا، ثم سعي كل شركة لأسبابٍ تجاريةٍ للوصول إلى لقاح فعال لتحصل على نصيب الأسد من الأرباح المتوقعة.

ومعلوم أن مبيعات الأدوية هي من أكبر المبيعات عالميًّا؛ هذا إلى جانب أن العديد من شركات الأدوية الكبرى المنتجة للقاحات قد تعرضت لضغوط من دول وحكام من أجل سرعة إنتاج لقاح لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، ولا تستبعد العديد من الصحف العالمية دخول أجهزة الاستخبارات العالمية في حروب من أجل الوصول إلى أسرار إنتاج هذه اللقاحات لصالح شركات عالمية لم تنجح في معرفتها بعد.

في انتظار استكمال الصورة:

بدأت الاتفاقات مع الشركات المنتجة للقاحات بالفعل لشراء كميات ضخمة من جرعات اللقاحات المعلن عنها حتى الآن، حيث تعهدت العديد من الحكومات والهيئات العالمية متعددة الأطراف بالشراء بالأسعار المعلن عنها، وعليه تسارع هذه الشركات على إنتاج الكميات الضخمة المطلوبة خلال الأشهر القليلة القادمة، ومن المتوقع أن تجني الشركات المنتجة في المرحلة الحالية أرباحًا مجزية للغاية من تعاقداتها مع الدول الثرية تعوض بالطبع استثماراتها وتفيض بكثير.

أما بعد نهاية المرحلة الحالية فيصعب تصور ما سيكون؛ لعدة عوامل ينبغي أن توضع في الاعتبار، منها:

1- مدة المناعة من الإصابة بالمرض بعد التطعيم باللقاح.

2- عدد اللقاحات التي يمكن تتخطى المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب، ويعطى لها التصريح بالتداول في السوق من خلال التصنيع والتوزيع عالميًّا، فهناك عشرات اللقاحات يتم حاليًا استكمال التجارب الأخيرة عليها، ومع احتفاظ كل شركة بسر التصنيع الخاص بلقاحها، ستكون هناك العشرات من اللقاحات المختلفة والمتنوعة في الأسواق العالمية بعد أشهر قليلة في وقتٍ واحدٍ.

3- مدى إمكانية إنتاج الكميات الضخمة من جرعات اللقاحات المطلوبة لتلبية احتياجات كل الدول، ومدى السلاسة التي ستكون عليها عمليات التوزيع. (راجع في ذلك مقال: "موسم حصاد الجائحة يعد بالمليارات: شركات الأدوية تتأهب لجني عوائد لقاحات مكافحة كورونا" جريدة الأهرام عدد الجمعة 25 ديسمبر 2020 م، ص9).

ردود أفعال حادة للقاح (مودرنا):

نقلت صحيفة (نيويورك تايمز) عن الدكتور حسين صدر زاده زميل طب أورام المسنين بمركز بوسطن قوله: (إنه أصيب بحساسية شديدة، وشعر بدوار وتسارع في ضربات القلب بعد تلقيه لقاح فيروس كورونا الذي تنتجه شركة مودرنا. ويعتبر هذا أول رد فعل حاد يجري ربطه علنًا بلقاح (مودرنا) الذي طرح قبل أيام على مستوى الولايات المتحدة. وقال مسؤول بإدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية الأسبوع الماضي: إن الإدارة تتحقق من نحو 5 حالات أصيبت بحساسية في الولايات المتحدة بعد تلقيها لقاح فايزر) (راجع في ذلك مقال: "الصحة العالمية: سلالة كورونا الجديدة تستهدف الأطفال والشباب" جريدة المصري اليوم - عدد الأحد 27 ديسمبر 2020 م، ص 5).

وبالجملة: فإن الأعراض الجانبية التي أشارت إليها التجارب الأولية على اللقاحات التي تم تسويقها ليست بالشديدة، باستثناء حالات الحساسية الشديدة، والتي تستوجب أن يكون إعطاء هذه اللقاحات في هذه الفترة داخل مراكز طبية متخصصة؛ لسرعة التعامل مع مثل هذه الحالات الخطيرة.

ومِن هذه الأعراض حتى الآن: حدوث ألم أو ورم مكان الحقن في الكتف، أو حدوث صداع، أو حدوث إعياء، وآلام بالعضلات والمفاصل. وهذه أعراض معتادة ظهر مثلها مع لقاحاتٍ عديدةٍ سابقةٍ، كما في: التهاب الكبد الوبائي، وشلل الطفال، والحصبة، والحصبة الألماني، وغيرها.