إن الله لا يحب الخائنين

  • 96

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -سبحانه وبحمده-: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال:58).

ذكر القرطبي -رحمه الله- نقلًا يبرز جمال وروعة وإيجاز الخطاب القرآني البديع، فقال -رحمه الله-: "قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا مِنْ مُعْجِزِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا لَا يُوجَدُ فِي الْكَلَامِ مِثْلُهُ عَلَى اخْتِصَارِهِ وَكَثْرَةِ مَعَانِيهِ".

وَقال أيضًا -رحمه الله-: "والْمَعْنَى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ؛ أَيْ: قُلْ لَهُمْ قَدْ نَبَذْتُ إِلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ، وَأَنَا مُقَاتِلُكُمْ، لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ فَيَكُونُوا مَعَكَ فِي الْعِلْمِ سَوَاءً، وَلَا تُقَاتِلْهُمْ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ وَهُمْ يَثِقُونَ بِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِيَانَةً وَغَدْرًا، ثُمَّ بَيَّنَ هَذَا بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).

قلتُ: وهذه الآية الكريمة أبرزت جانبًا عظيمًا مِن محاسن الشريعة الإسلامية، وهي الوفاء بالعهد والنهي عن الخيانة، ولو كان ممَّن يُخْشَى منه الغدر وظهرت منه قرائن الخيانة، لا كما يظن البعض أنه عليك في هذه الحالة أن تبادرهم أنت قبل أن يبادروك هم ويغيروا عليك، كما كان شائعًا آنذاك، كما قال جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- في حديثه مع النجاشي -رضي الله عنه-: "أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسبي الجوار؛ يأكل القوي منا الضعيف".

وقارن ذلك بما هو في واقعنا المعاصِر مِن الغدر والخيانة، وقتل الأطفال والنساء، واستخدام أبشع أنواع الأسلحة التي يجعلونها هم محرمة دولية على الأطفال والنساء؛ خاصة من المسلمين، وما سوريا وغيرها منا ببعيد؛ فلربما فاق مجرمو زماننا -من الكفرة المجرمين مِن: اليهود، والنصارى، والملحدين- ما فعله مشركو العرب في الماضي، بل في الحقيقة هم فاقوهم بالفعل أضعافًا كثيرة، فجاء القرآن الكريم الذي هو تنزيل من حكيم حميد يهدي للتي هي أحسن وأعدل وأسمى؛ لما فيه من الخير وسعادة الدنيا والآخرة، وليرتقي بها إلى قمة الرقي والسمو حتى في هذا الأمر الذي يغلب فيه الغدر والحمق والظلم كما أسلفنا.

وتحضرني مقولة ليو تولستوي (الأديب الروسي العالمي): "يكفي محمدًا فخرًا أنّه خلَّص أمةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعةَ محمدٍ، ستسودُ العالم لانسجامها مع العقل والحكمة".  

وانظر كيف ختم الله -سبحانه وبحمده- هذه الآية الكريمة بخاتمة بديعة؛ تعليلًا للنهي عن الغدر والخيانة بقوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).

فهو -سبحانه- لكمال عدله وحكمته أكَّد أنه لا يحب الخائنين، بل يبغضهم، ولو كانت الخيانة مع مَن كفر به، بل وظهرت منه علامات وبوادر نقض العهد والغدر، وقارن بين ذلك أيضًا وبين الجماعات المسلحة المسماة: جهادية! والجهاد الإسلامي  منها براء، وما يفعلونه مِن نقض وخرق عهود الأمان، وقتل المستأمنين والمعاهدين، بل وأكثر القتلى مِن المسلمين الموحِّدين؛ لتعلم مدى بُعد هؤلاء عن الفهم الصحيح للإسلام الصافي النقي؛ فما احوج البشرية لهذه التشريعات التي مِن شأنها أن تعيد الإنسان إلى إنسانيته المفقودة، وتسوق المؤمنين المتبعين حقًّا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى شرف وسعادة الدنيا والآخرة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.