وكذلك جعلناكم أمة وسطًا

  • 165

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة:143).

الأمة هي القرن من الناس، والصنف منهم، وغيرهم.

وأما الوسط: فإنه في كلام العرب: الخيار، يُقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي: متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه وواسط.

وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط:

هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنَامُ بِحُكْمِهِم          إذَا نَزَلت إحْدَى الليالِي بِمُعْظِـم

والوسط في هذا الموضع هو: الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل: "وَسَطَ الدَّارِ"، وقد وصفهم الله بأنهم وسط لتوسطهم في الدِّين؛ فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.

قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: "وأما التأويل: فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار مِن الناس عدولهم".

قال ابن كثير -رحمه الله-: "والوسط ههنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها.

ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا، خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال -تعالى-: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78)".

فتبيَّن مما سبق أن الوسطية هنا بمعنى الخيرية: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110)، وقال -تعالى-: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) (القلم:28)، أي: خيرهم وأعدلهم.

وروى الإمام البخاري مِن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا قال: (فَإذِا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ)، وبمعنى العدالة: (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).

وبمعنى الموضع بين الطرفين، أي: وسط في الدين، أي بين الإفراط والتفريط؛ فهم أهل اعتدال.

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: مَرُّوا بجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَجَبَتْ)، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: (وَجَبَتْ)، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ).

وفي رواية: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ؟ قَالَ: (وَثَلاثَةٌ)، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: (وَاثْنَانِ)، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ. (رواه البخاري).

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ، فَيُقَالُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ فَذَلِكَ قوله: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) والوَسَط :الْعَدْلُ، فَتُدْعَوْنَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلَاغِ ثُمَّ أَشْهَدُ عَلَيْكُمْ) (رواه البخاري).

لذلك فالواجب على هذه الأمة التي جعلها الله -سبحانه وتعالى- خير أمة أُخرِجت للناس، وأرسل إليها سيد ولد آدم، وخاتم النبيين -صلى الله عليه وسلم-، وأنزل عليه أعظم الكُتب السماوية، أن تقوم برسالتها لتعود كما كانت دائمًا الأمة الرائدة في العالم، فمهما اختلف الناس في شيء؛ فلا بد مِن الرجوع إلى ميزان العدل للفصل بينهم، وهذه الأمة هي ميزان العدل، (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء:59).