رحماء بينهم (تأليف القلوب بين الهبة الربانية والدور المجتمعي)

  • 125

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

- فنعمة مِن الله عظيمة، ومِنَّة جسيمة أن يؤلِّف الله بين قلوب المؤمنين، ويجمعهم على الخير والعمل الصالح، وتكون رفقتهم رفقة تتعاون للنجاة من النار والفوز بجنة الله -عز وجل-، قال -تعالى-: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) (آل عمران:103)، فذكر الإنقاذ بعد التذكير بهذه النعمة، وكأنها إشارة أن هذه النعمة طوق نجاة، ووسيلة يتخذها المؤمنون للنجاة من الفتن والمحن التي تحتوشهم في الطريق إلى الله -عز وجل-.

- وتعتري هذه الرابطة بعض الآفات التي تنبع مِن شرور النفس مِن: كبر وعجب، وغرور، وتعصب مذموم، وتهترئ تحت ظلمات: البغي، والغلو، والعدوان، ودعاوى: "أنا خير منه"، وتختفي: "أنت اليوم أفضل مني"، ويعلو صوت: "أنى يكون له الملك علينا؟!"، وتختفي: "وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا".

وتمتحن هذه الرابطة في وقت الاختلاف والغضب، والفتنة والشدة؛ فترى الاستطالة، والغيبة والنميمة والبهتان، والفجور في الخصومة، ونسيان الفضل، واتخاذ الخلاف ولو كان اجتهاديًّا سائغًا تكأة لانتقاص الأشخاص وإظهار ما تكنه الصدور من الضغائن والأحقاد.

التجرد مِن أهواء النفس هو سر المسألة، وقول الحق في الرضا والغضب، والإنصاف والوفاء مع الخصومة، لا يستطيعه الكثير ويعجز عنه؛ لغلبة أهوائه في معركته الداخلية.

لا انتصار في هذه المعركة إلا بصبر ومصابرة، وحبس للسان وحفظ له، وتذكير بالله لنفوسنا ونفوس إخواننا؛ فتأليف القلوب ننطلق فيه مِن الداخل بالتجرد والورع إلى الخارج بأن يستحيل تأليف القلوب دورًا مجتمعيًّا يؤدي كل واحد منا دوره فيه وهو جزء مِن دينه والتزامه، يشارك في تهدئة النيران المشتعلة، وإصلاح ذات البين بنقل الكلام الطيب دون الخبيث، والحذر مِن النميمة، وهي نقل الكلام على سبيل الإفساد، وبعضهم يزعم أنه مِن أجل مصلحة الدعوة.

- أصبحت العورات تُتبع وتشيَّر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تستر؛ تنقل مِن أجل الوشاية والانتقاص؛ لقتل الكفاءات، وتقليل صلاحياتهم.

- دور تأليف القلوب يستحق أن تُبذَل مِن أجله أموال الأرض، وليس هذا بكثير، بل بعد أن تنفق وتأخذ بالأسباب نضرع للرب أن يؤلِّف بين القلوب ويسقيها بوابل من غيث رحمته ورأفته، فالله هو الذي يؤلف بين القلوب ويرحمها مِن وصب وغم الأحقاد، ويجمع الأبدان، ويقرب البعيد، (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء:53)، (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة:83)، (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فصلت:34)؛ فرغم الجفاء ادفع بالإحسان، ولا تنال هذا الحظ العظيم إلا بصبر.

نسأل الله أن يطهِّر قلوبنا، ويخرجنا من الظلمات إلى النور، ويهدينا سبل السلام.