الدعاء ملاذ للأقوياء والضعفاء

  • 72

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالدعاء سلاح المؤمن، وحيلة الأقوياء والضعفاء، ووسيلة المحتاج والمضطر، وقد تنقطع الأسباب المادية، ولا ينقطع دعاؤك ورجاؤك، وتوسلك وتضرعك.

دخل زكريا على مريم -عليهما السلام- فوجد مِن الخير والرزق ما حيَّره: (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:37)، فجاشت معاني الإيمان بهذا الموقف وهذه الكلمات التي تهز القلوب: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، رغم انقطاع الأسباب المادية تمامًا، فقد كبر سنه، واشتعل رأسه شيبًا، ووهن عظمه، وضعف بدنه، وفوق ذلك كانت امرأته عاقرًا، ومع ذلك جاءته البشرى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (آل عمران:39)، فربك إذا أعطى أدهش.

دعا زكريا -عليه السلام- دعاء الواثق، المتضرع، الراغب، الراهب، الراجي، حسن الظن بربه -تعالى-، مستحضرًا نعمه عليه، معترفًا بها، شاكرًا لربه -سبحانه-، (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ) (مريم:4)، أي: ولم أكن بدعائي إياك، (رَبِّ شَقِيًّا) أي: لم أكن لأتعب بالدعاء ثم أخيب؛ لأنك قد عودتني الإجابة، يُقال: شقي فلان بكذا: إذا تعب بسببه، ولم ينل مراده.

فلم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك، ولم تكن يا رب تردني خائبًا ولا محرومًا من الإجابة، بل لم تزل بي حفيًّا، ولدعائي مجيبًا، ولم تزل ألطافك تتوالى عليَّ، وإحسانك واصلًا إليَّ، فأجرِني في هذه المرة أيضًا على عوائد فضلك، فإن المحسن يربي أول إحسانه بآخره، وإن كان ما ادعوا به في غاية البُعد في العادة، لكنك فعلت مع أبي إبراهيم -عليه السلام- مثله، فكما أنعمت عليَّ بلا سؤال مني، ومننت عليَّ بنعم أعجز عن شكرها، وما زال إحسانك وفضلك في كل لحظة لم ينقطع، فأحسن إليَّ بإجابة دعائي، فقد تعودت منك الفضل والعطاء والكرم.

رُوي أن محتاجًا سأل حاتم الطائي أو معن بن زائدة قائلًا: "أنا الذي أحسنت إليَّ يوم كذا"، فقال: "مرحبًا بمن توسل بنا إلينا"، وقضى حاجته! هذا كرم البشر، فما ظنك بكرم وجود رب البشر -سبحانه-؟!

قال العلماء: يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع، وذكر نعم الله عليه، كما فعل زكريا -عليه السلام- هاهنا، فإن في قوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) (مريم:4)، غاية الخضوع والتذلل، وإظهار الضعف والقصور عن نيل مطالبه، وبلوغ مآربه، وفي قوله: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (مريم:4): ذكر ما عوَّده الله من الإنعام عليه بإجابة أدعيته" (فتح القدير للشوكاني)، فلن تدخل على ربك بمثل إظهار فقرك وحاجتك، وغناه وكماله -سبحانه-.

وتأمل وتدبر في هذا الحديث يغنيك عن كثيرٍ مِن الكلام؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رَوَى عَنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) (رواه مسلم).

فلا تيأس من الدعاء بما تعلمه من نفسك، فإن الله استجاب دعاء شر الخلق إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (الحجر:36-38)؛ فافزع إلى ربك يفتح لك ما أغلقت من أبواب.

وصلى اللهم وسلم وبارك على محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.