الفساد (87) فوضى المقابر وانتهاك حرمة الموتى (1-2)

  • 107

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمِن الصور العامة للمعنى الواسع للفساد -والتي ينبغي الانتباه إليها-: تقديم البعض المصلحة أو المنفعة الشخصية على حساب الآخرين، وحقوقهم وكرامتهم، وحرمتهم الشخصية، وكذلك الاستهانة والاستخفاف، وعدم الاهتمام بمراعاة هذه الحقوق، والكرامة والحرمة!

وهذا ما نراه كثيرًا في المقابر من خلال مظاهر التجرؤ على انتهاك حرمة الموتى فيها، حتى تحولت المقابر في كل أنحاء مصر إلى أماكن تجارة و(بيزنس) لأقوام، ولسكن عشوائي لآخرين، ومأوى للمجرمين، وغرز لمتعاطي المخدرات، ومناطق رائجة لكثير من المتسولين، بل وسوق لآخرين، وكأن هذه المقابر لا حرمة لها وليس لها مسئولين عن حفظها، وصيانتها وتنظيمها!

وللتعرف على مدى ما وصلت إليه السلبيات والمفاسد داخل وحول المقابر والمدافن، وإدراك حجم المأساة؛ فينبغي أن نتعرف -ولو بإيجاز- على بعضٍ مما جات به الشريعة الإسلامية مِن أحكام في هذا الشأن، وهي أحكام سبقت بها شريعتنا كل الأمم في مراعاة حرمة الموتى وكرامتهم، وجعلتها حقوقًا لهم لا يجوز التهاون فيها والانتقاص منها.

ومِن هذه الأحكام:

- وجوب تغسيل الميت وتكفينه بما يستر جميع بدنه، والصلاة على جنازته في جماعة، ونقله للدفن في مقابر المسلمين. وكل هذه الحقوق للميت هي في الإسلام مِن فروض الكفايات التي ينبغي أن يبادر إليها أقرباء الميت وغيرهم، فإن قام بها البعض نالوا الأجر والثواب من عند الله -تعالى- على ذلك، وسقط بفعلهم هذا الإثم عن الجميع، وإن لم يقم به أحد من أقرباء الميت أو غيرهم أثِم الجميع، ممن علموا بالأمر وكان يمكنهم القيام به، أو كان يمكنهم دلالة غيرهم ممن يقدر عليه للقيام به حال عجزهم عنه.

وهذه الأحكام -كما هو واضح- غاية في الاعتناء بالميت وتكريمه والإحسان إليه، يقوم بها أقرباؤه أو غيرهم، وهو في الإسلام حق له لا يجوز التغاضي عنه أو التقصير فيه، فلا يليق بالميت أن يُترك ملقى أو مهملًا يتحلل جسده أو يتعفن بعد الموت، وهو ظاهر مكشوف أمام أعين الجميع بلا دفن! بل ربما تتعرض له الحيوانات والطيور والقوارض في البيوت أو الطرقات، وتؤذي رائحته الأنوف وبقايا رفاته الأعين لمن يعيشون على ظاهر الأرض حوله.

والحكمة من ذلك ظاهرة: في تغسيل بدن الميت وتنظيفه، وستر بدنه كله بالكفن، والصلاة عليه والدعاء له، ثم دفنه في باطن الأرض حيث تتحلل رفاته بصورة طبيعية مصانة محفوظة له، ولأهله كذلك بصيانة كرامتهم، وكرامة وحرمة ميتهم؛ فكرامة أهل الميت من كرامتهم، وهو أمر يحرص عليه بالفعل كل أقرباء وأحباء وأصدقاء أي ميت في كل زمان ومكان. 

- النهي شرعًا عن كل ما لا يليق بالأحياء فعله بحق ميتهم، وهو ما لا يعود على الميت بالنفع؛ مِن النياحة على الميت، ولطم وضرب الخدود، وتمزيق الثياب، وشق الجيوب.  

 - أما القبر: فيسن أن يرفع عن الأرض قليلًا نحو شبر، ولا يسوى بالأرض، وذلك ليتميز فيصان ولا يهان. ويجوز أن يسنم، أو يعلَّم بحجر ونحوه؛ ليعرف، فيُزار ولا يهجر، ويدفن فيه مِن بعد الميت مَن مات مِن أهله. 

- شَرَع الشَّرع زيارة القبور لغرضين محمودين:

 أ- للاتعاظ بها وتذكر الآخرة.

ب- نفع الميت بالسلام عليه والدعاء والاستغفار له.

هذا شريطة أن لا يقول الزائر عندها ما يغضب الرب: كدعاء الموتى، أو اللطم و النياحة.

ومما ينبغي على صانعي القبور وزائريها مراعاته:

- عدم البناء على القبور وتزيينها: ففي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ". (رواه مسلم). والتجصيص: من الجص وهو الكلس، والمراد الطلي به. قال الألباني: "ولعل النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع من الزينة".

ولا بأس بالبناء على القبر للمحافظة عليه، وعلى بقائه مرفوعًا بقدر ما يسمح به الشرع، وهو قدر شبر، فلا تطمسه أو تبعثره أو تنسفه رياح أو أمطار ونحوها.

وفي الحديث عن أبي الهياج الأسدي قال: "قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ" (رواه مسلم).

قال الشوكاني -رحمه الله-: "فيه أن السُّنة أن القبر لا يرفع رفعًا كبيرًا، من غير فرق بين مَن كان فاضلًا ومَن كان غير فاضل. والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرَّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة الشافعي، ومالك" (راجع في ذلك كتاب: أحكام الجنائز وبدعها، للألباني ط. السلفيون يتحدثون، ص 207 - 208).  

- تجنب بناء المساجد على القبور، وقد ورد النهي الشديد عن ذلك في أحاديث عديدة، منها:

- حديث عائشة -رضي الله عنها-: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ -وَهُوَ كَذَلِكَ-: (لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا. (متفق عليه).

- حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) قَالَتْ: "فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" (متفق عليه).

- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد) (متفق عليه).

- حديث عائشة -رضي الله عنها- عن تذاكر بعض نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنيسة بأرض الحبشة يُقال لها مارية، فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت عائشة: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَة) (متفق عليه).

قال الألباني -رحمه الله- عن هذه الأحاديث: "وهي تدل دلالة قاطعة على أن اتخاذ القبور مساجد حرام؛ لما فيها مِن لعن المتخذين؛ ولذلك قال الفقيه الهيتمي في (الزواجر) (1/ 120 - 121) -يعني (الزواجر عن الكبائر)-: "الكبيرة الثالثة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد" (راجع: أحكام الجنائز وبدعها، 216 - 219).  

- عدم الجلوس على القبور أو وطئها والمشي عليها: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) (رواه مسلم) (المصدر السابق، ص 209 - 210).

- خلع النعلين عند المشي بين المقابر: إذ جاء في الحديث أنه بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يمشي بين القبور إذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: (يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ) فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا. (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني).

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والحديث يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال" (فتح الباري 3-160).

قال الألباني -رحمه الله-: "والأقرب: أن النهي من باب احترام الموتى؛ فهو كالنهي عن الجلوس على القبر". وقال أبو داود في مسائله (ص158): "رأيت أحمد -يعني أحمد بن حنبل- إذا تبع الجنازة فقرب من المقابر خلع نعليه" (راجع كتاب: "أحكام الجنائز وبدعها"، ص 136 - 137، ص 199 - 200).

- اتخاذ القبور أعيادًا: وذلك بقصد القبور بالزيارة في أوقاتٍ معينةٍ، ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها، ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا). قال الألباني: "أخرجه أبو داود (1/ 319)، وأحمد (2/ 367) بإسناد حسن، وهو على شرط مسلم، وهو صحيح بما له من طرق و شواهد" (راجع: أحكام الجنائز و بدعها، ص 219).

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "ووجه الدلالة أن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا مَن كان)، وقال: (والعيد إذا جعل اسمًا للمكان؛ فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدًا مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها للدعاء والذكر والنسك. وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله. وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين) (انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم، ص 155 - 156"، و"أحكام الجنائز وبدعها، ص 220 - 221").

- تجنب كسر عظام الموتى: ففي الحديث المرفوع: (إِنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمُؤْمِنِ مَيْتًا مِثْلُ كَسْرِ عَظْمِهِ حَيًّا) قال الألباني: "أخرجه أبو داود (32/69)، وابن ماجه (1/ 492)، والطحاوي في المشكل (2/ 108)، وابن حبان في صحيحه (رقم  776 موارد)، وابن الجارود في المنتقى (ص 551)، والدارقطني في سننه (367)، والبيهقي (4/ 58)، وأحمد (6/8 ، 105 ، 168 ،200 ، 264) واللفظ له، وأبو نعيم في الحلية (7/ 95)، والخطيب في تاريخ بغداد (12 / 106 و13 و120) من طرق عمرة عنها. قال الألباني: "وبعض طرقه صحيح على شرط مسلم، وقواه النووي في المجموع (5 / 300)، وقال أبن القطان: (سنده حسن) كما في المرقاة (2/ 380)، وله طريقان آخران عن عائشة -رضي الله عنها-: الأول: عند أحمد (6 / 100)، والآخر عند الدارقطني (367) (راجع: أحكام الجنازة وبدعها، ص233).

قال الحافظ في الفتح -رحمه الله-: "يستفاد منه: أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته" ذكره في الفيض (4/ 551). (انظر: أحكام الجنائز، ص 236)

صيانة المدافن:

صيانة القبور (التُّرَب) هي مهنة ما يعرف بـ(التُّرَبِي)، ويعد التربي من المهن التي يحيطها الغموض، على الرغم من أهميتها من الناحية الدينية؛ فإن القائمين عليها لا يحصلون على راتبٍ من الحكومة (أي: هو موظف عام بدون أجر)، رغم أنهم معينون من قِبَل الدولة لتولي شأن المدافن، ووظيفتهم تلك تعد وظيفة عامة؛ ونظرًا لأن لكل (تربي) منهم حياته الخاصة به حيث يتحمل الإنفاق على أفراد أسرته، ويحتاج إلى مصدر دائم ومستمر للرزق، فهو يعيش على ما يأتي له مِن (حسنات) مِن أهالي الموتى مقابل دفن موتاهم، أو ما يأخذه من أهل الميت خلال زياراتهم للميت ليقوم بالاهتمام بمتابعة قبر الميت، ومنع التعدي عليه.

وغالب التربية يرثون وظيفتهم تلك من آبائهم من خلال التسجيل في رابطة التربية، وذلك بعد إجراء بعض الاختبارات في المحافظة، تتمثل في معرفة بعض الأمور الشرعية في الدفن؛ بالإضافة إلى اختبار في القراءة والكتابة.

وللأسف: فمِن هؤلاء (التُّرَبيَّة) مَن يقوم بأعمال غير شرعية للحصول على الأموال مِن وراء مهنته تلك بطرق ملتوية تتم في ظلمة المقابر والمدافن حيث لا يراها أحد، ولكن يسمع عنها الكثيرون، وهي تتعلق بترميم المقابر أو التصرف في المقابر المنسية من قِبَل أصحابها ولا يسألون عنها، وهي أعمال تتم عادة من خلال منظومة من العلاقات الكبيرة بين التربية مع بعضهم البعض، ومع بعض موظفي الحكومة ممن لهم علاقات بالسجلات وبيانات المواطنين قد تصل إلى عمل عقود جديدة لبيع قبور قديمة لمشترين جدد مختومة ومستوفية الإجراءات في ظاهرها رغم كونها غير قانونية.

وتعد المحافظة هي المسئولة عن متابعة سير الأعمال داخل نطاق الجبانات والمدافن في كل المحافظات؛ خاصة محافظة القاهرة بالتحديد، حيث يسكن داخل مقابرها القديمة أعداد كبيرة من السكان، حيث تعين المحافظة مراقبين فنيين تابعين لإدارة الجبانات بالمحافظة، وهناك تعامل بين (التربية) باعتبارهم من موظفي الدولة وبين المراقبين، حيث لهؤلاء المراقبين من الجهات المسئولة توقيع عقوبات حال ضبط وجود مخالفات أو تعد.

سكان يعيشون في المقابر:

يعيش فئات من الناس في المقابر بصورة دائمة رغم غرابة الحياة فيها، وصور ذلك متعددة:

- فهناك (تُربيَّة) يعيشون بصفة دائمة في المقابر، يتخذونها سكنًا لهم ولأسرهم، ويورثون وظيفتهم لأولادهم مِن بعدهم.

- وهناك مِن غير التُّربيَّة مَن يعيشون في المقابر مع أُسرهم بعد فشلهم في الحصول على شقق كسكن لهم، ولا يستطيعون دفع إيجار مرتفع في شقة من الشقق، خاصة في محافظة القاهرة، حيث تضم هذه الأسر أطفالًا وُلدوا وتربوا في المقابر، وفيهم أرامل فقدون أزواجهم وبقين مع أولادهن اليتامى في القبور، (ووفق آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فقد وصل عدد سكان المقابر إلى 5 ملايين مواطن يعيشون مع أسرهم بين الأموات داخل 25 محافظة، فيما يبلغ عدد سكان المقابر في إقليم القاهرة الكبرى (القاهرة - الجيزة - القليوبية) مليونا و600 ألف مواطن) (انظر جريدة صوت الأمة - عدد 16 مارس 2019 م، ص 8).

وحياة الكثيرين في هذه المقابر بين الأموات ومعهم هي حياة غير كريمة، في ظل ظروف صعبة للغاية، فربما أغرقتهم الأمطار في الشتاء؛ إذ لا سقف لهم يسترهم فيها، وربما تعرَّضوا بسبب ذلك للإصابة بالأمراض الصدرية، وهم يفتقدون وجود دورات مياه أو صرف صحي، ولا يوجد ماء أو كهرباء، فيعانون من ظلمة الليل، ولا يملكون بوتاجازات أو ثلاجات، يفترشون الأرض بجوار أو فوق قبور الموتى، ولربما عاشوا على استخدام (لمبات الجاز) ونحوها، كما أنهم يعانون وأولادهم من متاعب نفسية ومادية وخلافات زوجية، وكثير منهم يعيشون على التسول وعلى إحسان أهالي الموتى عند دفن موتاهم، وعند زيارتهم لهم من وقت لآخر.

وتعد المقابر من الأماكن الزاخرة بالمتسولين؛ خاصة في الأيام التي تكثر فيها الزيارات للقبور، وسكان المقابر رغم عزلتهم عن العالم الخارجي فإن منهم مَن يعيش رغم ذلك على خوف دائم من البلطجية ومتعاطي المخدرات الذين يترددون على المقابر خاصة أثناء الليل، ويتخذون منها أوكارًا وملاجئ لهم.

ويزيد الأمر سوءًا: أن القائمين على صندوق تطوير العشوائيات يرون أن سكان المقابر على كثرتهم لا ينطبق عليهم اسم أو وصف (العشوائيات)، فهم سكان مدافن، اعتدوا عليها وعاشوا فيها، ولا حقوق لهم ولا توجد عنهم بينات مسجلة؛ فلا أمل لهم في تطوير معيشتهم أو تسليمهم شقق، أو نقلهم لأماكن أخرى كما يتم مع سكان المناطق العشوائية الأخرى. 

جرائم ترتكب في المقابر:

لا تخلو بعض المقابر مِن ارتكاب الجرائم بها حيث إن أحواشها تعد أرضًا خصبة لممارسة جرائم الاغتصاب والقتل والخطف، بل وإقامة غرز لتعاطي المخدرات وغيرها من الممنوعات، حيث الظلمة والسكون والعزلة، وهناك مقابر في مناطق صارت مصدرًا للرعب إذ تحولت إلى بؤر دائمة للإحرام؛ لذا تتعرض من وقت لآخر إلى حملات مداهمة قوات الأمن لها، واضطرت بعض الأجهزة الأمنية إلى التعامل مع الأزمة من خلال إجبار بعض التربية على تركيب كاميرات أمام منازلهم وأماكن تواجدهم لضبط الأمن، وتوفير الحماية للسكان حول مناطق هذه المقابر.

المقابر مصدر تجارة غير مشروعة:

(مكاسب غير شرعية بالجملة يحصل عليها أباطرة الجبانات والمقابر بمختلف أنحاء الجمهورية وبشتى الوسائل الممكنة، مستغلين قدمهم في العمل كتربية وبعلاقاتهم مع بعض الأشخاص الذين يصفونهم بـ(المهمين) في تسهيل ما يقومون به من أعمال إجرامية، بل إن بعضهم يرى ما يفعله ويتحصل عليه من أموال حق مكتسب له ولأبنائه).

ولا (يقتصر أمر المال الحرام الذي يحصده التربية باستخدامهم الأساليب الملتوية، فقد ظهر مصطلح آخر يدعى (الترب المنسية)، وهي ترب دفن بها أحد الباشوات في عهد ملوك مصر من سلالة محمد علي باشا وهاجر أبناؤهم إلى الخارج وتوفي بعضهم، بل وتم دفنهم في أماكن أخرى، ونسي أبناؤهم أن لديهم مقبرة دفن فيها أجدادهم، حيث تعد هذه النوعية من الترب بمثابة (الكنز) للتربي الذي يعمل بشكل غير شرعي، فقد يحصل من ورائها على مئات الآلاف من الجنيهات مقابل بيعها بشكل غير شرعي لأحد الراغبين في شراء مقبرة) (المصدر السابق، ص 6).

التجارة في بيع المقابر:

- يقوم الكثير مِن الترابية والمقاولين بالتجارة في بيع القبور مِن خلال ترميم، وبناء قبور، والتكسب منها، ومن ذلك:

 - ترميم التربية لعيون القبور أو توسعة أحواشها أو تركيب (عضامات)؛ وذلك للحصول على آلاف الجنيهات من أصحابها مقابل ذلك، هذا رغم أن عمليات الترميم هذه تحتاج لتقارير يعدها مهندسو الجبانات بالمحافظة ليتم بعدها التعاقد مع مقاول يتولى أمر الترميم والتوسعة، لكن التربية يستغلون طلب أحد أصحاب الأحواش المتعلقة بترميم المقبرة أو توسعتها فيطلب منهم مبلغًا ماليًّا مقابل القيام بذلك دون الحصول على الرخصة أو إذن المحافظة. 

 - بيع التربية للمقابر المنسية أو التي لم يعد يعرف لها صاحب إلى آخرين بأوراق مخالفة وبأسعار هذه الأيام.

 - قيام التربية بإعادة بناء القبور (الترب) فوق سطح الأرض حتى لا تتضرر قبور الموتى من مياه الصرف الصحي.

 - عرض مقابر في الجبانات الجديدة للبيع وبأسعار عالية متفاوتة، فالمقابر قرب الطريق أغلى من المقابر داخل الجبانة أو في وسطها، والمقابر في أماكن غارقة في المياه الجوفية أو الصرف الصحي أقل من سعر غيرها، وتصل أسعار بعض المقابر بأحواشها في بعض الأماكن إلى مئات الألوف من الجنيهات، والأسعار يتم تحديدها بشكل غير رسمي بما يشبه السوق السوداء كما يحدث في بيع شقق التمليك.

(الأكثر غرابة في مجال بيزنس المقابر وبيعها بأسعار مختلفة: أن البعض دشن صفحات التواصل الاجتماعي لتسويقها رافعين شعار: (موت واطمن)، فهي جملة لا تُقال على سبيل الدعابة ، ولكنها الشعار الرسمي للمعلنين عن المقابر من خلال هذه المواقع، فنجد العديد من الصفحات المخصصة لمثل هذه الدعاية، والتي لم تقتصر على الإعلان عن الوحدات بالأسعار، ولكنها نشرت مقاطع فيديو دعائية يظهر فيها مواطن بالرداء الأسود حزنًا على فقيده، وعلى ملامحه الحزن والأسى لفراق المفقود ليمجد في المقبرة ويتباهى بمميزاتها ومساحتها وتشطيبها، وسهولة التعامل مع صاحبها وإمكانية تسليمها وغيرها من التفاصيل الدعائية.

الإعلان كان أشبه بالدعاية عن الشقق السكنية والفيلات الفاخرة، وهو ما يوضح أن الدعاية حاليًا لم تقتصر على المستلزمات الحياتية فقط، بل تطرقت لما هو أبعد من ذلك، فالنهاية الطبيعية لكل إنسان هي الموت، وهو ما أتاح للكثيرين مادة إعلانية جديدة وهو إمكانية توفير المقابر بأسعار مناسبة حسب الظروف الاجتماعية لكل منا، ليتحول الأمر إلى (بيزنس) مربح للعاملين به.

والملفت للانتباه هو: الأسعار المعلن عنها، والتي تعتبر في قيمة الشقق السكنية، وتختلف أسعارها باختلاف عدد الحجرات والمساحات؛ بالإضافة إلى التشطيب أيضًا، فنجد إعلانات منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع التسوق الإلكتروني تعلن عن مقابر تشطيب لوكس أو سوبر لوكس، حيث ترتفع أسعار هذه المقابر مع جودة التشطيبات.

والمثير في الأمر: أن هناك مقابر للمليونيرات والتي يعلن عنها بمواصفات تفوق خيال الشاب المقبل على الزواج ويبحث عن عش الزوجية، لتظهر المقابر المحاطة بالحدائق والمزودة بأبواب يتم فتحها عن طريق التحكم عن بعد (ريموت كنترول).

وبشكل عام نجد الأسعار تبدأ من 100 ألف جنيه لتصل إلى عدة ملايين من الجنيهات حسب المساحة والامتيازات ومكان المقبرة، فإذا أردت مقبرة مصيفية تجد على طريق (العين السخنة)، وإذا بحثت عن مقبرة بالقرب من المناطق السكنية فما أكثرها، أما في المناطق الشعبية فتتواجد بكثرة خاصة بالقرب من مساجد أولياء الله الصالحين، وكل منطقة لها قائمة أسعار مختلفة، ويختلف فيها الحد الأدنى للأسعار بحسب امتيازاتها.

ويتنافس المقاولون في توفير امتيازات أكثر بالمقابر المالكين لها لبيعها بأعلى سعر ممكن، ويروجون لها على طريقتهم الخاصة المناسبة لما يقدمونه للمستهلك. ولم يتوقف الأمر على الدعاية الإلكترونية للمقابر فقط، وإنما زاد الأمر ليصل إلى وضع إعلانات بأسعار مختلفة على أبواب المستشفيات الحكومية)، (وعلى أبواب المشارح والمستوصفات، حيث يضع سمسار المقابر رقمه بجوار إعلانه، وبمجرد أن يتصل عليه أحدهم يضع له سعرًا خياليًّا للمقبرة، وهو سعر قابل للفصال) (جريدة صوت الأمة - عدد 16 مارس 2019م، ص 6).

مقابر للقدامى وللأولياء خارج السيطرة:

مما تشتهر به محافظة القاهرة وجود أعداد كبيرة من الأضرحة ومقابر لملوك وسلاطين، ولمن يعدهم الناس من أولياء الله الصالحين، منها ذلك على سبيل المثال: شارع الأشرف بحي الخليفة بصحراء المماليك، وفيه أضرحة يتجمع حولها بائعو السبح والعطور والبخور، وكثير من المتسولين، كما توجد مقاهي تحتل الميدان الموجود هناك بكراسي بلاستيكية لتقديم المشروبات الساخنة والباردة، فمن مسجد وضريح السيدة نفيسة إلى ضريح ومقام الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وبعده ضريح أمه فاطمة خاتون، فالضريح المنسوب للعلامة ابن سيرين، في الدور الأرضي بأحد المنازل هناك، وبعده يوجد حمام الملكة شجرة الدر، الذي تحولت ساحته -حتى بعد تطويره- إلى ملعب يلعب فيه الأطفال الكرة، وصارت بوابته لمكان لتجميع قمامة الشارع فيه قبل نقل عمال النظافة لها.

وللأسف فهناك مقالب للقمامة الملقاة من سكان المنطقة وغرق أضرحة في مياه جوفية، قد تراكمت عليها الطحالب، دليل الإهمال من فترات طويلة، واستخدام البعض للمنطقة كـ(جراج) للسيارات.

ورغم ما كل ما تردد ويتردد من قرب خضوع المنطقة لخطة تطوير وضعتها وزارة الآثار بعد معاينة المكان منذ عدة سنوات، كما أن شركة الصرف الصحي لم تقم بسحب مياه الصرف الصحي المتجمعة فيه (المصدر السابق، ص 7) (راجع في ذلك: تحقيق (بيزنس الموتى) جريدة (صوت الأمة) - عدد 16 مارس - 2019م، ص 5-8).