نعمة الأمن (2)

  • 85

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد حديثنا في المقال السابق عن نعمة الأمن وأهميتها، وأن حصول الأمن مطلب كل حي، وغاية كل إنسان وأنه لا يطيب طعام، ولا يُنتفع برزق إذا فقد الأمن، وأن الشعور بالأمن نعمة كبرى وقيمة عظمى، لا يقدرها إلا مَن فقدها، وأن استِقرار المجتمع المسلم لا يمكن أن يتحقق إلا في ظلال الأمن، شرعنا في الحديث عن أهم أسباب حصول الأمن.

فمِن أعظم أسباب حصول الأمن:

الإيمان بالله: أي: الإيمان المقترن بالعمل الصالح والذي يعني الانقيادَ التام والتسليمَ المطلق لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ونبذ كل ما كان من أمر الجاهلية وقيمها وأخلاقها وأعرافها وتشريعاتها.

ويعني أيضًا: الولاء المطلق لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، والبراء من الكفار ولو كانوا آباءً أو إخوانًا أو أزواجًا أو عشيرةً، فهو مصدر الأمن والأمان، فإذا صحَّ الإيمان ووقر في القلبِ جعل الحياة سعادةً ونعيمًا، ورضًا واطمئنانًا، ولقد ربط الله -عز وجل- بين الإيمان والعبودية، وحصول الأمن العام المشمول بالاستخلاف في الأرض والتمكين، فقال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55)، وقال -عز وجل-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82).

والظلم هنا بمعنى الشرك؛ ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82)، شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: (لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: (يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13)، فجعل سبحانه الإيمان والتوحيد وعدم الشرك به من أعظم أسباب حصول الأمن.

وعلى النقيض: أن عدم الإيمان بالله مِن أكبر أسباب عدم تحقيق الأمن والاستقرار، واستبدال ذلك بالخوف والفزع  والقلق كما قال -سبحانه- حاكيًا قول إبراهيم -عليه السلام- لقومه: (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنعام:81)، وقوله: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: إن كنتم تعلمون صدق ما أقول، فأخبروني: أي الفريقين أحق بالطمأنينة والسلامة والأمن من عذاب الله: فريق المشركين أم فريق المؤمنين؟!

ولا شك أن فريق المؤمنين هم أكثر الخلق سعادةً وطمأنينةً وأمنًا وأمانًا؛ لأن الإيمان هو سرّ الطّمأنينة ورغد العيش وراحة البال.

قال الشاعرمحمد إقبال:

إذا الإيـمـان ضـاع فـلا أمـان             ولا دنيا لـمن لم يحيـي ديـنًا

ومَن رضي الحياة بغير دين              فـقـد جـعـل الـفناء لها قرينًا

وكم مِن أناس عاقبهم الله بنزْع الأمن والأمان من بلادهم، فعاشوا في خوف وذُعر، وفي قلقٍ واضطراب، لا يهنَؤُون بطعام، ولا يتلذَّذون بشراب، ولا ينعمون بنوم، الكل ينتظر حَتْفَه بين لحظةٍ وأخرى!

فاحذروا عباد الله أن تخلو قلوبكم من الإيمان الصادق، واليقين، والتوكل، والإنابة، والإخبات إلى الله -تعالى-، فإذا خلا قلب العبد من الإيمان وحل محله الكفر؛ فلا أمن ولا أمان، بل تحيط به المخاوف من كل جانب؛ فالإيمان حصن الله الأعظم من دخله كان من الآمنين مِن جميع المخاوف والعقوبات في الدنيا والآخرة.

ولقد أنعَمَ الله على كثيرٍ من الأمم بنعمة الأمن، لكنهم لَمَّا كفروا بنعمة الله وجحدوها، وأعرَضُوا عن شرع الله؛ عاقبهم الله فبدَّل أمنهم خوفًا، وغناهم فقرًا، وشبعهم جوعًا، قال -تعالى-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112).

هذا مَثَلٌ أُريد به أهل مكة؛ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يُتخطف الناس من حولها، ومَن دخلها كان آمنًا لا يخاف، فجحدت آلاء اللّه عليها وأعظمها بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يُجبَى إليها ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وذلك أنهم استعصوا على رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-، وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، قائلًا: (اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ،) (متفق عليه)، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز، وهو وبر يخلط بدم، وبدلوا بأمنهم خوفًا من رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال، حتى فتحها اللّه على رسوله -صلى الله عليه وسلم-. (تفسير ابن كثير بتصرفٍ يسيرٍ).

وقال القرطبي -رحمه الله-: "سَمَّى الله الجوعَ والخوفَ لباسًا؛ لأنَّه يُظهِر عليهم من الهُزال وشُحوبة اللون وسوءِ الحال ما هو كاللباس".

وكان من سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- طلب الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام حتي عند رؤية الهلال، فعَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبْيدِ اللَّهِ -رضِيَ اللَّه عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كانَ إِذا رَأَى الهِلالَ قَالَ: (اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا نُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّه) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، فالعلاقة بين الإيمان والأمن علاقة وطيدة؛ لا يتصور إنسان أن يكون هناك أمن بدون إيمان؛ فالإيمان هو التصديق الذي معه أمن واطمئنان واستقرار.

إذا رزق الناس الإيمان فإنما يطيب                 لــهـم عــيـش الـحـيـاة مع الأمـن

ولا يعمر الأرض الفسوق ولو علا                 هـذا لـعـمري قضـاء الله ذو اليمن

فإنه مع الإيمان الصادق، والعمل الصالح الذي يتوافر فيه شرطي القبول، وهما: الإخلاص لله -عز وجل-، ومتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يطيب العيش، وتعمر الأرض، وتأتي البركة في كل شيء، ويأمن الناس في أوطانهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم.

نسألك اللهم الأمن والأمان، والسلامة والإسلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.