الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (11)

  • 106

قصة بناء الكعبة (9)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قوله -تعالى-: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا ‌بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة:125-126).

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "وقال ابن جرير -رحمه الله-: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما الله به في البيت هو تطهيره مِن الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومِن الشرك". ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان ليكون ذلك سنة لمن بعدهما؛ إذ كان الله -تعالى- قد جعل إبراهيم إمامًا يُقتدَى به كما قال عبد الرحمن بن زيد: (أَنْ طَهِّرَا ‌بَيْتِيَ) قال: مِن الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.

قلتُ: -أي: ابن كثير-: "وهذا الجواب مفرَّع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم -عليه السلام-، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.

الجواب الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب، كما قال -جل ثناؤه-: (‌أَفَمَنْ ‌أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ) (التوبة:109)، قال: فكذلك قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا ‌بَيْتِيَ) أي: ابنيا بيتي على طُهرٍ مِن الشرك بي والريب، كما قال السدي: (أَنْ طَهِّرَا ‌بَيْتِيَ): ابنيا بيتي للطائفين.

وملخص هذا الجواب: أن الله -تعالى- أمرَ إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به، والعاكفين عنده، والمصلين إليه مِن الركع السجود، كما قال -تعالى-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ ‌مَكَانَ ‌الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج:26)، الآيات.

(قلتُ: وهذا الجواب الثاني أظهر؛ لعدم صحة دليل على عبادة الأوثان عند الكعبة، وإنما أُمِرَ أن يطهِّره مِن الشرك الذي كان موجودًا في الأرض، ولا يلزم أن يكون عند الكعبة -عند موضعها-).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد اختلف الفقهاء: أيهما أفضل: الصلاة عند البيت أو الطواف؟ فقال مالك -رحمه الله-: الطواف به لأهل الأمصار أفضل مِن الصلاة عنده، وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقًا.

(قلتُ: الأظهر أن الغُرَبَاء يكثِرون من الطواف والصلاة معًا؛ لأن الله جمعَ بين العبادات كلها بالواو، فتقتضي مطلق الجمع، والطواف بالبيت صلاة كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا يخلو الزائر مِن الطواف والصلاة؛ قائمًا وراكعًا وساجدًا).

والمراد مِن ذلك: الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته، المؤسَّس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدُّون أهله المؤمنين عنه، كما قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ ‌وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج:25).

ثم ذكر أن البيت إنما أُسس لمَن يعبد الله وحده لا شريك له؛ إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين؛ لأنه تقدَّم (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ ‌وَالْبَادِ)، وفي هذه الآية الكريمة: ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفي بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد عُلِم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك أيضًا رَدٌّ على مَن لا يَحُجُّهُ من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا مِن ذلك؛ فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حج البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

(قلتُ: وقد ثَبَت بالنص حج يونس بن متى، وثبت في صحيح مسلم وغيره قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحاءِ، حاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُما) (رواه مسلم)، فمَن لم يحج بيت الله الحرام؛ فليس مِن إبراهيم، ولا إبراهيم منه، والأنبياء جميعًا من بعده امتثلوا أمر الله -سبحانه وتعالى- بالحج ما أمكنهم ذلك).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وتقدير الكلام إذًا: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) أي: تقدمنا لوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل، (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أي: طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية، ومن قوله -تعالى-: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) (النور:36)، الآية.

ومِن السُّنَّة مِن أحاديث كثيرة، مِن الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك مِن صيانتها مِن الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك؛ ولهذا قال -عليه الصلاة السلام-: (إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ) (رواه مسلم).

(قلتُ: ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي الذي بال في المسجد: إن المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا القذر، إنما هي للصلاة، ولذكر الله، وتلاوة القرآن، وهو ثابت في الصحيح، فيجب تطهير المسجد الحرام وجميع المساجد مِن الرجس المعنوي بالشرك، وتكذيب الأنبياء، وتكذيب كتب الله ورسله، ومِن الشرك الحسي مِن القذارات والنجاسات، ما ينفِّر الناس عن العبادة فيها).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد اختلف الناس في أول مَن بَنَى الكعبة، فقيل: الملائكة قبل آدم. وروي نحوه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، وقتادة، وعن وهب بن منبه: أن أول مَن بناه شيث -عليه السلام-، وغالب مَن يذكر هذا إنما يأخذه مِن كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب، ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك؛ فعلى الرأس والعين" (انتهى باختصارٍ مِن ابن كثير).

وقد أحسن -رحمه الله- في ردِّ هذه الآثار، والذي عندنا أن مكان البيت مُحَرَّمٌ منذ خَلَقَ الله السموات والأرض؛ للأحاديث الثابتة في ذلك، وأظهر الله -عز وجل- التحريم على لسان إبراهيم هو الذي رفع القواعد من البيت، فهناك قواعد موجودة ثابتة لما بَنَى عبد الله بن الزبير الكعبة وَصَلَ في الحفر إلى صخور كأسنان الإبل متصلة بعضها ببعض ممتدة تحت مكان الكعبة الحالية، وبإضافة عدة أذرع من الحجر كما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما حاولوا كسرها أو إزالتها ارتجَّ عليهم المكان فبنوا عليها الكعبة كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بزيادة عدة أذرع من الحجر فيها، لكن هدم الحجاج بعد قتل ابن الزبير ما بناه وردها الي المساحة التي كانت عليها أيام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد تمنى عبد الملك ابن مروان لما بلغه الحديث عن عائشة -رضى الله عنها- أن يكون قد ترك ابن الزبير وما تولاه، لكن قدَّر الله وما شاء فعل. والله أعلى وأعلم.