الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (12)

  • 111

قصة بناء الكعبة (10)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقوله -سبحانه وتعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة:126).

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "رَوَى الإمام أبو جعفر بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّم بَيْتَ اللَّهِ وأمَّنَه وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا فَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا وَلَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا) (رواه مسلم).

وروى ابن جرير -أيضًا- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَخَلِيلَهُ وَإِنِّي عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّم مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، عِضَاهَها وصَيْدَها، لَا يُحْمَلُ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرَةً إِلَّا لِعَلَفِ بَعِيرٍ". و(لَابَتَيْهَا): الحجارة السُّود على طرفي المدينة، "العِضَاه": شجر البادية.

وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كانَ النّاسُ إذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جاؤُوا به إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَإِذا أَخَذَهُ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، قالَ: (اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في ثَمَرِنا، وَبارِكْ لَنا في مَدِينَتِنا، وَبارِكْ لَنا في صاعِنا، وَبارِكْ لَنا في مُدِّنا، اللَّهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنَّه دَعاكَ لِمَكَّةَ، وإنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بمِثْلِ ما دَعاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ معهُ، قالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ له فيُعْطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ). وفي لفظ لمسلم: (بَرَكَةً مع بَرَكَةٍ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَن يَحْضُرُهُ مِنَ الوِلْدانِ).

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي طلحة: (اِلْتَمِسْ لي غُلامًا مِن غِلْمانِكُمْ يَخْدُمُنِي) فَخَرَجَ بي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَراءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كُلَّما نَزَلَ. وَقالَ في الحَديثِ: ثُمَّ أَقْبَلَ حتّى إذا بَدا له أُحُدٌ، قالَ: هذا جَبَلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ، فَلَمّا أَشْرَفَ على المَدِينَةِ، قالَ: (اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّمُ ما بيْنَ جَبَلَيْها مِثْلَ ما حَرَّمَ به إبْراهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بارِكْ لهمْ في مُدِّهِمْ وَصاعِهِمْ). وفي لفظ لهما: (اللَّهُمَّ بارِكْ لهمْ في مِكْيالِهِمْ، وبارِكْ لهمْ في صاعِهِمْ، ومُدِّهِمْ)، زاد البخاري: (يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ).

ولهما -أيضًا- عن أنس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللهمَّ اجْعَلْ بالمدِينَةِ ضِعْفَي ما جعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكةِ)".

ثم قال: "والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم -عليه السلام- لمكة؛ لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة، وتمسك بها مَن ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل. وقيل: إنها محرمة منذ خُلقت مع الأرض. وهذا أظهر وأقوى، والله أعلم.

وقد وردت أحاديث أخرى تدل على أن الله -تعالى- حرَّم مكة قبل خلق السماوات والأرض، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: (إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمه اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لَمْ يحِل الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا ساعة من نهار، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَا يُعْضَد شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إِلَّا مَنْ عرَّفها، وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ) (وهذا لفظ مسلم).

(قُلْتُ: والحديث يدل على أن تحريم مكة يوم خلق الله السماوات والأرض، وليس كما ذكر ابن كثير قبل خلق السموات والأرض. وقوله: (لَا يُعْضَد شَوْكُهُ) يعني: لا يُنزع شجر الشوك ولا يقطع. (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) يعني: لا يُهيَّج؛ فضلًا عن صيده، (وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إِلَّا مَنْ عرَّفها) أي: إلى الأبد لا إلى سنة، (لَا يُخْتَلَى خَلاهَا) أي: لا يقطع حشيشها إلا الإذخر).

وروى البخارى مُعلقًا، وابن ماجة متصلًا عن صفية بنت شيبة، قالت: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ عَامَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللهَ حرَّم مكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السماواتِ وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُها، وَلَا يَأْخُذُ لُقَطَتَها إِلَّا مُنْشِد) فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِلْبُيُوتِ وَالْقُبُورِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِلَّا الإذْخَر).

وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة- (يعني: الجيوش لقتال ابن الزبير): ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قال به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغد من يوم الفتح، سَمِعَتْه أذناي ووعاه قلبي، وأبصَرَتْه عيناي حين تكلَّم به، إنه حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إِنَّ مَكَّةَ حرَّمها اللهُ ولم يُحرِّمْها النَّاسُ، فلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بها دمًا، ولا يَعْضِدُ بها شجرةً، فإن أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغَائِبَ". فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بخَرَبَة. رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه".

(قلتُ: وكلام عمرو بن سعيد لأبي شريح -رضي الله عنه- يدل على قلة تعظيمه للحديث، ثم للصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ولحرمة بلد الله الحرام! فإنما يُعاقب مَن آوى إلى مكة مرتكبًا جُرمًا خارجها، بأن يُلجَأ إلى الخروج، فإذا خرج أُخذ وعُوقب بعقوبته الشرعية، وأما مَن ارتكب بها جُرمًا؛ فهو الذي لم يُراعِ حرمة الحرم؛ فيُعاقب فيها).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "فإذا عُلِم هذا؛ فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدَّالة على أن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدَّالة على أن إبراهيم -عليه السلام- حرمها؛ لأن إبراهيم بلَّغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إيَّاها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم -عليه السلام- لها، كما أنه قد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لَمُجَنْدَلٌ في طِينَتِه، ومع هذا قال إبراهيم -عليه السلام-: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) (البقرة:129)، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره؛ ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ بَدْءِ أَمْرِكَ. فَقَالَ: (دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَرَأَتْ أُمِّي كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نور أضاءت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

أَيْ: أخْبِرْنا عَنْ بَدْءِ ظُهُورِ أَمْرِكَ.

وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه؛ فيذكر في موضع آخر بأدلتها" (انتهى من تفسير ابن كثير -رحمه الله-).

قلتُ: الصحيح تفضيل مكة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمكة يوم أن خرج منها: (وَاللَّهِ إِنَّكِ، لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، مَا خَرَجْتُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). والله أعلم.