نعمة الأمن (4)

  • 57

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أسباب حصول الأمن:

تقوى الله -عز وجل-، والإصلاح، وإقامة العدل: أما التقوى؛ فإنها شعار المتقين، ودثار المؤمنين، ووصية الله -تعالى- للعالمين، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: 131).

وما أجمل ما قيل في التقوى مِن كلمات للصحابي الجليل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ إذ يَصفُ التقوى حينما سأله أحدهم عنها، فأجاب: "هي الخوفُ من الجَليل، والعملُ بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعدادُ ليوم الرَّحيل)، وقال طلق بن حبيب التابعي المشهور رحمه الله: (تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تدع معاصي الله على نور من الله تخاف عقاب الله)، وقال آخرون: التقوى: أن تجعل بينك وبين غضب الله وعقابه وقاية تقيك ذلك، بفعل الأوامر وترك النواهي، وكل هذه العبارات معانيها صحيحة.

والمتقون هم أولياء الله الذين يأمنون حين يفزع الناس، ولا يحزنون على ما خلفوا في هذه الدنيا، قال -تعالى-: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس:62-63).

وإذا تأملنا في التقوى وجدناها منبع كل خير في الدنيا والآخرة؛ فهذه الآية الكريمة فيها بيان حال أولياء الله وأنهم لا خوف عليهم ولا حزن عليهم؛ لإيمانهم وتقواهم، فأولياء الله: هم أهل الإيمان والتقوى، هم الذين أخلصوا العبادة لله واستقاموا على دينه واتقوه -جل وعلا-؛ فكان جزاؤهم أن ينالوا الأمن والأمان وينتفي عنهم الخوف والفزع (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) يوم القيامة من عقاب الله إذا وردوا عليه. (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها، ويوم القيامة هو يوم الفزع الأكبر، وهنالك يأمن أهل الإيمان والتقوى من هذا الفزع، وتستقبلهم الملائكة مهنئين هذا يومكم الذي كنتم توعدون فيه من الكرامة من الله -عز وجل-، قال -تعالى-: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (الأنبياء:103).

كتب عمرُ بنُ الخطابِ أميرُ المؤمنين إلى ابنه عبد الله -رضي الله عنهما- فى غَيْبَةٍ غابها: "أما بعد، فإنه مَن اتقى الله وَقَاه،ومن توكل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جَزَاه؛ فاجعل التقوى جِلاءَ بصرك، وعِمَادَ ظهرك، فإنه لا عمل لمن لا نِيَّة له، ولا أَجْرَ لمن لا حسنة له، ولا خير لمن لا خشية له، ولا جديد لمن لا خَلَقَ له" (الأمالي لأبي علي القالي، والعِقد الفريد لابن عبد ربه، ومناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي).

قال -جل وعلا-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق:2- 3)، فبيَّن -سبحانه وتعالى- أن مَن اتقاه حصل له الخير العظيم، وذلك بتكفير السيئات، وتفريج الكربات، وتيسير الأمور المهمات، وإعظام الأجر والحسنات، والرزق من حيث لا يدري العبد ما هو آتٍ، كما وعد -سبحانه- المتقين بحصول الفرقان الذي يميز به بين الحق والباطل مع الفوز بالجنة والنجاة من النار، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم) (الأنفال:29).

وأما الإصلاح فهو تصويب ما اعوج من أمور الدين والدنيا عند المسلمين، والعودة إلى الأصل الذي لم يلحقه زوائد ومحدثات، وهو صفاء الدين، حيث خلق الله الإنسان على الفطرة السليمة النقية، ويبدأ الإصلاح بإصلاح الفرد لذاته وتزكيته لنفسه، من خلال تطهيرها من الذُّنوب والآثام والتدرُّج بها على طريق الصالحين، بالعمل الصالح والخير النافع للفرد والمجتمع.

ولقد بيَّن -سبحانه- أن الإيمان والإصلاح والتقوى هي مِن أعظم أسباب حصول الأمن والأمان في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأنعام:48)، وقال -تعالى-: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأعراف:35)، والله -تعالى- يدفع البلاء عن البلاد بالإصلاح وبوجود الناس المُصلحين، أفرادًا وجماعات؛ إذ لولاهم لعمَّ الفساد، قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود:17).

وفي الحديث الذي روته السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين -رضي الله عنها-: أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- دخَل عليها يومًا فزِعًا يقولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) (متفق عليه)، انظر كيف قَرَن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الهلاك وعدم الإصلاح، بالرغم من وجود الصالحين الطائعين!

وأما العدل فهو مجانبة الظلم، والتزام الوسطية في كل شيء، كذا التزام الحق مع جميع الخلق، ولم يقتصر العدل في الإسلام على التشريعات والأحكام الإسلامية، وإنّما شمل حياة الفرد والمجتمع بكلِّ ما فيها، فهو منهج عام، وقيمة إنسانية مطلقة، لا يجري عليها أي استثناء؛ يعني تحريم ظلم أي أحدٍ من الناس مؤمنًا كان أم كافرًا، برًّا كان أم فاجرًا، ولا يجوز لمسلمٍ عابدٍ قانتٍ أن يظلم مشركًا فاجرًا داعرًا؛ فلا يستبيح دمه أو ماله بلا حق، وهذا من معاني كون النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل رحمةً للعالمين كما في قوله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، فإنه جاء بشريعة تأمر بالعدل مع كلِ أحدٍ، وتنهى عن ظلمِ أيِّ أحدٍ، وقد أمر -سبحانه- بالقسط وهو العدل في الأقوال والأفعال، مع الصَّديق والعدوِّ، والقريب والبعيد، والمسلم وغير المسلم على حدٍّ سواءٍ، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:8).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ) أي: قوَّامين بالحقِّ لله -عز وجل- لا لأجل النَّاس والسُّمعة، وكونوا (شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل لا بالجور" (تفسير ابن كثير)، وقوله -سبحانه-: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) الشنآن: البُغض الشَّديد.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "لا يحملنَّكم بغضُ قومٍ على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كُلِّ أحدٍ؛ صديقًا كان أو عدوًّا؛ ولهذا قال: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90)".

والعدل ظل الله في أرضه، ورحمته -سبحانه- في خلقه، والحارس للعقيدة والمال والنفس والعرض، وهو خصب البلاد وأمن العباد؛ به قامت السماوات والأرض، فإلى العدل يأوي الضعفاء، ويلوذ إليه الفقراء، وفي العدل إنصاف للمظلوم، ورزق للمحروم، به يجتمع الشمل، وتتحد الكلمة، وتقوى الأواصر بين الناس، ويستتب الأمن في البلاد، وتحصل الطمأنينة في نفوس العباد، ويشعر الناس بالاستقرار.

- لما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرًا إلى عمر -رضي الله عنه-، لم يزل الموكَّل به يتقفى أثر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حتى عثر عليه في المسجد نائمًا، وما كان يتوقع أبدًا أن ينام أمير المؤمنين بهذه الطريقة دون حرسٍ، بين عامة الشعب دون خوف أو قلق على نفسه مِن القتل، فراعه ذلك! وإن دل على شيء؛ فإنما يدل على حصول الأمن العام، وحب الرعية للراعي، فقال قولته الشهيرة: "حكمت عدلت، أمنت فنمت".

وصاغها حافظ إبراهيم في أبياتٍ، فقال:

وراعَ صاحبَ كِسرى أنْ رأى عُمرًا    بين الرعية عطلا وهـوَ راعيها

وعَهدُهُ بِمُلوكِ الفُرسِ أنَّ لها            سورًا مِن الجُند والأحراس يحميها

رآهُ مُستَغرِقًا في نَومِهِ فرأى             فيه المهابةَ في أسمى معانيها

فوقَ الثرى تَحت ظِلِّ الدَّوحِ              مُشتملًا بِبُردَةٍ كادَ طُولُ العهدِ يبليها

فهان في عينيهِ ما كان يُكبِرُهُ            مِنَ الأكاسرِ والدُّنيا بأيديها

وقال قولةَ حَقٍّ أصبحت مَثلًا             وأصبحَ الجيلُ بعدَ الجيلِ يرويها

أَمِنتَ لمّا أقمتَ العَدلَ بَينَهُمُ              فَنِمتَ نَومَ قَريرِ العينِ هانيها

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.