• الرئيسية
  • المقالات
  • ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (3) تقييد الطلاق مُخَالِف للشَّرْع، وهو كالمُسْتَجِير من الرَّمْضَاء بالنَّار

ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (3) تقييد الطلاق مُخَالِف للشَّرْع، وهو كالمُسْتَجِير من الرَّمْضَاء بالنَّار

  • 114

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

تمهيد:

هذا هو الجزء الثالث من تلخيص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" -رحمه الله تعالى-، وقد اخترتُ له عنوان: "تقييد الطلاق مخالف للشرع، وهو كالمستجير من الرمضاء بالنار"

وهذا لكي أضع للقارئ أهمَّ فائدة وردتْ في كلام العلامة "أبو زهرة" في مناقشته الماتعة لمقترحات تقييد الطلاق التي تتردد بين وقتٍ وآخر؛ استنادًا إلى ضررٍ ظاهرٍ يشتكي منه الناس من حالات الطلاق.

والغرض من هذا العنوان بيان أن الردَّ يتلخص في هاتين النقطتين:

الأولى: أننا بحكم إسلامنا يجب أن نسلِّم لأمر الله -سبحانه وتعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب:36).

وبحكم إسلامنا فنحن نوقن أن شرع الله هو الذي يحقق مصلحة العباد، وإن خفيت علينا الحكمة في بعض الأمور، كما قال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50).

وبالتالي: فيكفي للمسلم أن يعلم أن تلك الاقتراحات التي ظاهرها المصلحة أو التي يريدون منها المصلحة -في ظنهم- مخالِفة للحكم الشرعي الثابِت لكي يرفضها ويسلِّم لأمر الله -تعالى-.

الثانية: أنه ومع ما ذكرناه في النقطة الأولى؛ فإننا نجد أن تعديلاتهم وإن بدت أن فيها فرارًا من بعض الآثار الضارة للطلاق، فهي في الواقع نوع من الفرار من الضرر الأقل إلى الضرر الأكبر، أو هو كما يقولون: نوع من الاستجارة من الرمضاء بالنار.

وقد أجاد الشيخ في عرض النقد الشرعي والعقلي المصلحي لهذه الاقتراحات المعاصرة، وبيَّن الحكم الشرعي ووضَّح كيف أنه هو الذي يحقق مصالح البلاد والعباد.

وإليك كلامه -رحمه الله- حيث يقول ما ملخصه:

"الطلاق

شُرِع الزواجُ على أنه عقد دائم؛ لأنه لا تتحقق مقاصده من إنجاب النسل، ورعايته، وإقامة دعائم الأسرة إلا إذا كان دائمًا، وقد اتفق الفقهاء على أن عقدَ الزواج يبطله التأقيت بمدة، وبعض الفقهاء الذين أباحوا عقود مؤقتة لا يسمونها زواجًا، ولا يعتبرون العلاقة فيها علاقة زوجية، ولذلك لا يكون فيها توارث، ولكنهم يخرجونها من حيِّز العلاقة الآثمة بين الرجل والمرأة(1)، ولكن شرط دوام الزواج أن تكون المودة والرحمة بين الزوجين قائمة مستمرة باستمراره، ليؤدي مقاصده وأغراضه، وليكون رحمة للعباد، وآية مِن آيات الله -تعالى- في النفوس، كما قال -سبحانه-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم:21)، وتتكون الخلطة النفسية الكاملة والعشرة السليمة كما قال -تعالى- في شأن العلاقة الزوجية: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البقرة:187).

وقد تنقطع أواصر المودة والرحمة، والله وحده هو مقلِّب القلوب، فتنقلب المودة إلى قطيعة، والمحبة إلى بغضاء، ويصبح رأب الصدع عسيرًا، وإن القلوب إذا تَنَافَر وُدُّها لا تُشْعَب إلا نادرًا.

ولعل المرأة أقْدَر على علاج نشوز الرجل بما وهبها الله -تعالى- من عواطف فياضة بالمحبة، وتستطيع أن تجتذبه عن نفوره، وقدرته على علاج نشوزها دون قدرتها إذا كانت مملوءة بعاطفة الأنوثة؛ ولذلك قال -تعالى-: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا . وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (النساء:128-130).

وإذا كان النشوز من جانب المرأة عالجها الرجل بالعقل، وبطرق الوعظ ثم بالهجر في المضاجع ثم بالضرب غير الشائن وغير المبرِّح، كما جاء في القرآن الكريم، وإذا كان النشوز من الجانبين كان لا بد من تحكيم الحكمين، وهذا مما دلَّ عليه قوله -تعالى-: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) (النساء:35)(2).

وقد يتعذَّر العلاج النفسي في أمر الإصلاح بين الزوجين، وتستحكم النفرة، فيكون الافتراق لابد منه، كما قال -تعالى- فيما تلونا: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ).

وإذا كان التفريق أمر لابد منه، فاذا تراضى الزوجان على الافتراق؛ فإنه يكون الافتراق منطقيًّا؛ لأنهما أنشأ العقد بتراضيهما، ولهما أن يحلاه بتراضيهما أيضًا، بيد أنه يحسن الاستيثاق مِن أن النفرة مستحكمة بحيث لا يمكن علاجها، إذ عسى أن يكون ذلك تحت نوبة غضب جامحة، فيكون من المصلحة تهدئة النفوس أولًا، ثم التفكير من بعد ذلك في الافتراق في هدأة واطمئنان، على أن ذلك ليس بلازم، ما داما عاقلين مسئولين عما يفعلان، وكل يتحمل تبعة عمله وتفكيره، وإذا كان النشوز المطلق من جانب الزوجة ولم يكن ثمة علاج فإن التفريق حينئذٍ يكون خلعًا وبيد القاضي، وقد شُرِع الخلع بأمر القاضي إذا طلبته المرأة، وذلك عند المالكية، ولو كان لمجرد النفرة النفسية، ولكنه اشترط التحكيم قبل التفريق، وإذا كان بسبب ضرر يجري عليه الإثبات، فإن ذلك هو مذهب أحمد ومالك -رضي الله عنهما-، وكان الأمر إلى القضاء؛ لأن الرجل تكلَّف في سبيل الزواج تكليفات مالية، ومِن حقه أن يستردها أو بعضها، ليستعين بما يسترد على زواج آخر، والفاصل في الأمر هو القضاء.

ولأن الرجل لا يضيره أن تطلب المرأة الطلاق في مجلس القضاء(3)، وتذكر الأسباب مهما تكن هذه الأسباب، فإشاعة السوء عنه لا تضره كما تضر المرأة، فإن أي غبار يمس سمعتها يبقي حولها ولا يذهب عنها.

وإذا كانت النفرة من الرجل يكون بين أيدينا حلان لا ثالث لها:

أولهما: أن تعرض أسباب الطلاق بين يدي القضاء، وهو الذي يفرِّق كما هو الشأن في طلب المرأة، وأن ذلك بلا ريب يؤدي إلى تشويه سمعتها؛ لأنه إذا طلب الرجل مبررًا لطلبه الطلاق؛ فإنه في لجاجة الخصومة سيندفع إلى القول في شأنها بما يشاء من قول، ولا يحاول أن يخفي مستور عن أعين الناس لا يكشفه، وفي ذلك بلا ريب ضرر بالمرأة وبأولادها، وقد يكون عيبًا يلحقها ويلحق أولادها إلى الأبد، وقد قلنا: إن الغبار الذي يلحق المرأة يلازمها، ويستمر معها إلى الأبد، ولا شك أنه يؤثِّر في مستقبل أمرها.

وإن الأسرة تعيش في كن وستر من رحمة الله، ولا يصح أن تكشف أستارها.

وقد يقول قائل: إن ذلك يكون إذا طلبت المرأة الطلاق.

ونقول في الإجابة عن ذلك:

أولًا: بأن الرجل غير المرأة.

وثانيًا: أن شيخ الفقهاء أبا حنيفة قد قرر أنه لا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق لغير الأمراض التناسلية التي تمنع الرجل من أن يصل إلى المرأة، ولعله قد لاحظ هذا المعنى.

أما الذين أجازوا لها طلب التفريق؛ فإنهم ربطوا الطلب بأسبابٍ ماديةٍ لا يضر إعلانها، كأن يؤذيها بالقول أو الفعل بما لا يليق بأمثالها، أو بمجرد النفرة المستحكمة من قِبَلها كما قَرَّر مالك، وذلك ليس من شأنه أن يكشف أستارًا، وقد جاءت امرأة ثابت إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- تقول له: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لاَ أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلاَ خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لاَ أُطِيقُهُ" (رواه البخاري)، ففرَّق بينهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلع.

وفوق ذلك: أن الرجل أمامه حجزات تمنعه مِن أن يُقدِم على الطلاق من غير توافر أسبابه، أو استحكام النفرة، وهي: المضار التي تنزل به مِن الطلاق، وهي ما يلزمه مِن تكاليف مالية بسببه.  

وثانيهما: أن يكون الطلاق بيد الرجال مع ملاحظة ما يترتَّب عليه من مضار تلحقه، وهو لا يقدم عليه إلا إذا كانت العشرة غير ممكنة غالبًا، ولكنه مع ذلك قد ينطق بالطلاق، حيث لا تكون ثمة حاجة موجبة، أو يمكن أن تستأنف عشرة زوجية سليمة(4).

التدابير الشرعية التي من شأنها تضييق وقوع الطلاق(5):

وقد قدَّر الشارع الإسلامي ذلك، وعالج هذا الحال بالنسبة للمدخول بها، ومن غير المدخول بها؛ لأن تسهيل الافتراق قبل الدخول يكون من مصلحة الحياة الزوجية لأمن مضارها؛ إذ إنهما تنافرا قبل أن يدخلا في إقامة أسرة، فإن قامت مع هذا التنافر، قامت على غير أساس سليم من المودة والرحمة كمَن يضع هندسة بناء على أسس غير متلائمة، يهدم بعضها بعضًا(6).

أما المدخول بها، فقد احتاط الشارع الإسلامي في أمرها، بحيث لا يمكن -أن اتُّبِع المنهاج السليم الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم للطلاق- أن يوقع الرجل طلاقًا إلا في نفرة مستحكمة، ولا يمكن أن تنقطع العلاقات نهائيًّا؛ إلا إذا كانت المودة يتعذَّر تحققها.

لقد وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- منهاج الطلاق، وسُمِّي: "طلاق السنة"، وسُمِّي غيره: "طلاق البدعة".

ولنذكر خطوط ذلك المنهاج خطًّا خطًّا:

الخط الأول: أن الله -تعالى- أعطى الرجل حق التطليق ثلاث مرات، فقال تعالى-: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة:229)، ثم قال بعد ذلك: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) (البقرة:230)، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الطلاق السني لا يطلِّق الرجل فيه إلا طلقة واحدة، على أن تكون هذه الطلقة رجعية، ويتركها حتى تنتهي عدتها، أو يراجعها في أثناء العدة، فإن ترکها مع ذلك حتى انتهت العدة كان في ذلك دليل على استحكام النفرة، وتعذر التوفيق بينهما.

الخط الثاني: أنه لا يطلقها في الحيض؛ لأن زمن الحيض تكون المرأة في حالة نفسية غير مستقرة، فعسى أن تكون النفرة من تلك الحال الوقتية التي عرضت، وستذهب، وقد أشار إلى هذا قوله -تعالى-: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) (الطلاق:1)، أي: مستقبلات عدتهن، أي: في حال طهر لا في حال حيض، وقد طلَّق ابن عمر -رضي الله عنهما- امرأته في حال الحيض، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بمراجعتها.

الخط الثالث: ألا يطلقها في طهر جامعها فيه ولا في الحيض؛ حتى يكون الطلاق في حال من شأنها أن يكون مقبلًا عليها، فبدل الإقبال يكون الإدبار، ويكون الافتراق، وهذا دليل على استحكام النفرة.

فهذه قيود في الطلاق رسمها القرآن، ورسمتها السُّنة، وسمَّاها الفقهاء طلاق السنة، وسموا ما يخالفها طلاق البدعة.

ولقد قال الشيعة، واختار قولهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، بأن طلاق البدعة لا يقع، إنما الذي يقع هو طلاق السنة فقط؛ وذلك لأن الرجل ملك الطلاق بإذنٍ مِن الشارع الإسلامي، وهو لم يأذن إلا إذنًا مقيدًا، فلا يكون استعمال الإذن إلا مقيدًا، ولذلك لا يقع إلا بإذن به، وهو طلاق السنة(7).

ولا شك أن الذي يلتزم طلاق السنة لا يمكن أن يطلق امرأته، وفي نفسه ميل إلى البقاء؛ إذ إنه يمضي مصرًّا على طلاقه ثلاثة أشهر تقريبًا وفي استطاعته أن يراجعها، وذلك دليل على كمال النفرة، ثم لهما بعد ذلك أن يستأنفا حياة زوجية، فاذا مضيا في طريقهما ولم يستأنفاها، فذلك دليل على أنه لا محل لأن تتلاقى القلوب، وإن استأنفاها بعد الطلاق والعِدَّة ثم كان الطلاق والإصرار على عدم المراجعة تلك المدة الطويلة -ثلاثة أشهر- فذلك دليل على كمال النفرة، ثم إن كانت الثالثة تكون التجربة قد تمت ولا سبيل إلى العودة إلا بعد تجربة قاسية عليهما.

إن هذا بلا شك علاج نفسي، وإذا لم يكن ثمة علاج مادي بيِّن؛ فإن في هذا التنظيم مراقبة نفسية تنتهي بأنه لا يكون فصم الحياة الزوجية؛ إلا إذا تنافرت القلوب، وأصبحت غير صالحة لأن يطيب لها.

ومع كل هذا فإن الفقهاء يقرر أكثرهم أن الأصل في الطلاق الحظر الديني، لا الحظر المادي؛ بمعنى أن الشخص يأثم أمام الله -تعالى- إن طلَّق من غير حاجة نفسية إلى الطلاق؛ ولهذا روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ" (رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "لاَ تُطَلِّقُوا النِّسَاءَ إِلاَّ مِنْ رِيبَةٍ" (رواه الطبراني، وضعفه الألباني).

وإن الطلاق بلا ريب فيه إيذاء للمرأة، وفيه إيذاء للأولاد، وفيه إيذاء للرجل، وفيه فوق كل هذا إزالة لنعمة الزواج؛ إذ الزواج نعمة من أجلِّ ما أنعم الله به على الإنسان، وإزالة النعم إضرار بكلِّ مَن كانت النعمة نعمة له؛ ولذا أمر الله -تعالى- الرجال عند الطلاق أن يحسنوا إلى النساء في حال الافتراق، فقال -تعالى- في حال الطلاق: (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) (الأحزاب:49)، وقال -تعالى-: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (البقرة:231).

والامتناع عن الطلاق أحيانًا يكون مضارة وإيذاء، وقد يكون من العشرة ما يكون الافتراق من رحمة مهما تكن أسباب البقاء، وقد أشار -سبحانه وتعالى- إلى هذا المعني بقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (البقرة:231).

والأولاد تجب رعايتهم على آبائهم وأمهاتهم؛ سواء افترق الزوجان أم بقيت الحياة الزوجية من غير أن ينزل أي ضرر بالأولاد، ولا أن يضار الأب أو الأم؛ اقرأ قوله -تعالى-: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) (البقرة:233).

ولا شك أن تربية الأولاد بين أبويهم أرفق بهم وأهنأ، وأكثر رعاية وعناية، ولكن ذلك إنما يكون إذا كانت المودة والرحمة هما اللتان تسودان الأسرة، فإذا حل محلها القسوة والبغضاء، فإن الافتراق يكون أرحم وأرفق بهم من أن يروا كل يوم نيران العداوة تشتمل في القول والعمل، وكل مظاهر العشرة.

فإذا كان في الطلاق ضرر؛ فإنه دفع لضرر أكبر منه، وهو إنهاء الزوجية فاسدة، وقلع مادة الفساد أولى من بقائها تنخر في عظام المجتمع، ويسري فسادها إلى كل نواحيه.

عدول معظم البلاد الإسلامية عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب ابن تيمية في الطلاق(8):

ولا شك أنه كان إسراف في الطلاق في البلاد التي كانت تطبِّق مذهب أبي حنيفة خاصة، ومذاهب الأئمة الأربعة عامة، لقد كان المذهب الحنفي يوقع طلاق المكره والسكران، ويجعل للرجل الحق في أن يجعل الطلاق بائنًا، وكانت أكثر ألفاظ الكتابة بقع بها الطلاق بائنًا، ويجعل قرينة الحال مسوغة لأن يقع الطلاق، من غير نظر إلى قصد المتكلم، وأخذوا من قرينة الحال تفسيرًا لقوله مع أن اللفظ غير صريح في الطلاق.

والمذاهب الأربعة كانت تعتبر يمين الطلاق بالعدد لفظًا أو إشارة بمقدار العدد، ما دام في دائرة الطلقات الثلاث، فإن زاد عن ثلاث وقعت.

وكان الناس يسرفون في ذلك إسرافًا شديدًا؛ فكانت فوضى الطلاق ضاربة أطنابها؛ ففي السوق يقع الطلاق، وفي الحقل يقع، وفي مجالس السَّمر يقع، وغير المتدينين يرمون الكلام على عواهنه، والمتدينون يعصرون أعينهم من الألم بعد أن يكون منهم ما يكون، وتجيء من وراء ذلك فوضى أخرى: فوضى المُحَلِّل أو التَّيْس المُسْتَعَار، كما جاء في بعض الروايات، وكانت مصر أول مَن تَنَبَّه لهذه الفوضى، وعالجتها، بل أزالتها بمقتضى القانون رقم: 20 لسنة 1929، واعتمدت في ذلك على أقوال السلف الصالح، واختيارات لابن تيمية وابن القيم، واختيار مِن بعض المذاهب الأربعة، وبذلك القانون حدَّت دائرة الطلاق، وانقطع سبيل الإسراف فيه.

إن القوانين العربية في أكثرها أُخِذَت من القانون المصري، ولم يخرج عنه إلا قانون تونس الذي قال: "إن الطلاق لا يقع إلا أمام القاضي!".

ونقول: إن قانون سنة 1929 لم يخرج عن نطاق الفقه الإسلامي قط، بل أنه التزم أصوله، ولم يخرج عن فروعه، وقد آتى ثمرته، وكان نورًا مُشِعًّا، وخطوة موفَّقة طيبة؛ أوقفت الإسراف وجعلت الطلاق في موضع الاعتدال.

تقييد الطلاق:

لقد غَالَى الذين يريدون أن تحكم الأسرة في الإسلام بنظم مِن غيره، فزعموا أن ثمة إساءة في استعمال حق الطلاق.

وأنه ترتَّب على ذلك أمران:

أولهما: تفكك الأسرة وانحلالها، وقطع الروابط بين الزوجين لأتفه الأسباب!

وثانيهما: وجود المتشردين والأحداث الذين أصبحوا قذى في عين الذين يريدون أن ينشئوا مجتمعًا سليمًا.

ونحن في الإجابة عن هذا الكلام نقول:

قد يوجد من الناس مَن يسيء استعمال ذلك الحق، كالشأن في كل أمرٍ يبيحه الشرع أو القانون؛ فإنه يكون مِن الناس مَن يسيء استعماله، حتى الطعام يوجد مَن يسيء استعماله فيملأ جسمه به، حتى حد البطنة، ومِن وراء ذلك الأمراض المختلفة المهلكة، أو التي تجعل الجسم في سقامٍ دائِمٍ، فلسنا نمنع أن يكون بين الذين ليس عندهم تفكير سليم مَن يسيء استعمال حق الطلاق.

ولكنا ونحن نقرر ذلك نقول: إنه لا يترتب على إساءة استعمال الطلاق عند بعض الذين يطلِّقون عن غير روية وتفكير -فك للأسرة ولا تشرد للأولاد، وإن ذلك النفي لا نقوله تلقائيًّا، ولا بغرض عقلي، بل نبيِّنه على إحصاء سليم لا يدركه الذين يهرفون بما لا يعرفون.

ذلك أن الطلاق قسمان:

أحدهما: قبل الدخول.

والثاني: بعد الدخول، وما بعد الدخول يكون رجعيًّا؛ إلا أن يكون بعوضٍ مالي أو فيه نزول عن حقٍّ مالي، ثم إنه بعد الطلاق البائن قد يذهب الشيطان من رأس النَّاشِز منهما فيستأنفان حياة زوجية جديدة، وبذلك لا تُحل الأسرة.

لقد أقمنا إحصاءً في أكبر قِسْم مِن أقسام القاهرة فيه طلاق، فوجدنا قسم مصر القديمة؛ إذ إن نسبة الطلاق تبلغ فيه بالنسبة إلى الزواج 5.39 % من وقائع، وهي تهول كل الذين ينظرون إلى الأمور نظرًا سطحيًّا، ولكن بخصم الطلاق قبل الدخول وعدد الرجعات، وعدد الطلاق البائن برضا الزوجين، وعدد الزواج الذي استؤنف بين مطلق ومطلقة، فإن النسبة تهبط إلى واحدٍ أو ما فوقه بقليل.

وبذلك الإحصاء ننتهي إلى: أن الطلاق لا يُحدِث خللًا للأسرة، حتى مع إساءة النطق به؛ ذلك لأن الطلاق قبل الدخول لا يعد حلًّا للأسرة، ولكنه يُعَدُّ وقاية لها من تكوين زواج فاسد، وهذه الوقاية لا تُعَدُّ حَلًّا لأمرٍ موثق، بل تُعَدُّ فَكًّا لوثاق يكون قيدًا واهنًا، والرجعات تمنع الانقطاع، والطلاق بالتراضي لا إساءة فيه لأحدٍ، والبداهة تقول إنهما أدري بمصالحهما، والتداخل بينهما يفسد ولا ينفع أحدًا.

وأما ترتُّب التَّشَرُّد على الطلاق؛ فأمر ينافيه الإحصاء؛ لأن التشرد، وكثرة الأحداث لا يكون من الطلاق، بل يكون من ضعف الوقاية على المُولَّى على النفس.

إنما يثبت بالإحصاء: أن الطلاق يكثر حيث لا يكون ولد، ويقل حيث الولد، بل يَضْؤُل كلما كَثُر الأولاد، وإن الإحصاء الأخير قد أثبتَ أن الطلاقَ حيث لا يكون ولد قط يستغرق من الطلاق عددًا تبلغ نسبته أكثر من 70% من وقائع الطلاق، وبين أيدينا إحصاء دقيق لأحوال الطلاق مع عدد الأولاد.

وتبيَّن لنا منه: أن 70 % من وقائع الطلاق تكون قبل أعقاب أي ولد.

وتبيَّن منه: أن 17% بعد أعقاب ولدٍ واحدٍ.

إن النسبة تهبط تدريجيًّا في دائرة 8 %، حتى إذا وصل العدد إلى ستة أولاد لا توجد نسبة مئوية، بل إن النسبة في الألف، أو عشرة آلاف.

فالولد ذاته عائق للطلاق مانع منه، وبذلك يتبين أنه لا علاقة بين التشرد والطلاق؛ إنما العلاقة تكون بينه وبين الولاية على النفس، وضعف الرقابة.

والمتشردون والأحداث إما أن يكونوا يتامى فقدوا الرعاية في الأسرة، وفقدوا رعاية الدولة، وإما أن يكون لهم آباء تخلوا عن واجبهم، ولم يحميهم من آبائهم القضاء في الولاية على النفس، ومثل الذين يقولون غير هذا القول مثل الطبيب الذي يضل معرفة الداء فيتركه يستشري، ويعالج جزءًا سليمًا كل السلامة، وقد يضعف عامة الجسم ذلك العلاج الذي لم يكن في موضعه!

خلاصة الرد على مَن يطالبون بتضييق الطلاق تقليدًا للغرب(9):

وإذا كان الطلاق بوضعه القائم لم يؤدِّ إلى انحلال في الأسرة، كما توهَّم الذين أقاموا الدنيا، وأقعدوها ثائرين على الطلاق، فإن البداهة تقول: إن ثورتهم على نظام الإسلام في الأسرة، وليست ثورتهم على أمر فيه حل لروابط الأسرة أو دفع للتشرد أو جناح الأحداث، كما يتذرعون وكما يشنِّعون.

لقد بدأوا طلبهم بأن يكون الطلاق أمام القاضي، وقد كان ذلك أمرًا إدًّا من شأنه أن يكشف أستار الأسرة، وأن تكون المرأة حديث المجالس؛ لأن أقرب سبب يجيء على لسان الرجل الذي لا يرعى حرمة الحياة الزوجية أن يتهمها في عرضها، وهي تهمة إن أمكن إثباتها عادت بالعار والشنار على المطلقة، وإن لم يمكن إثباتها فلا يعدم إحضار شهود يقولون، وإن لم يجدِ قولهم، وذلك يعرِّضها للقيل والقال.

التحذير الشديد من تعليق الطلاق على التوثيق(10):

على أننا نسأل هؤلاء الذين يفكرون ذلك التفكير إذا طلق الرجل امرأته من غير توثيق، أتحل له أم تحرم عليه؟ فإن حرمت عليه؛ فإن مآل ذلك بالنسبة للمرأة وبيئ بلا ريب؛ لأنها ستبقى بعد ذلك في حال لا هي زوجة تستطيع الاستمتاع بحقوق الزوجية الكاملة، ولا هي مطلقة قد أغناها الله -تعالى- من سَعَته كما قال -تعالى-: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ).

وإن كان الطلاق في نظرهم لا يحرِّمها عليه، وقد صار بائنًا، أي: تستمر في ملك الزوجية، فيؤدي ذلك أن يحل القانون ما حَرَّم الله -تعالى-، وإن فعل ذلك فهل يطيعه الزوجان المسلمان، وطاعة الله -تعالى- عندهما أوجب وألزم ويعرفون قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني)؟!

خاتمة:

عالَج الشيخ بعد ذلك وضع عقوبة قانونية على الطلاق كبديل لجعله بيد القاضي، وبعض المطالب الأخرى، نناقشها في المقالة القادمة -بإذن الله-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) للأسف إن مِن تناقضات الجمعيات النسوية: أنهن قد يطالبن بتقييد الطلاق تحت زعم الحفاظ على الأسرة في الوقت الذي يدافعن أيضًا عن تشريع الزواج المؤقَّت الذي هو هدم لفكرة الأسرة من الأساس! والذي كان معروفًا في الجاهلية ثم جاء الشرع بتحريمه، وإن تأخر هذا الأمر قليلًا؛ إلا أنه استقر هذا التشريع وأجمعت عليه الأمة، ولم يخالف في هذا إلا الشيعة؛ لجهلهم وحقدهم، وظنهم أن تحريم زواج المتعة اجتهاد حدث في عهد عمر -رضي الله عنه-، ومِن ثَمَّ فنكاية في عمر -رضي الله عنه- يروِّجون لهذا الزنا المسمَّى: "زواجًا!" زورًا وبهتانًا.

(2) وهذا ما يؤكِّد أن التدخل القانوني ليس هو العلاج الأمثل لكل المشكلات، بل هذه المشكلات الاجتماعية بطبعها يجب أن تبقى اجتماعية، وإذا شعر أحد الطرفين بأن الآليات الاجتماعية الشرعية والعرفية غير المخالفة للشرع قد عجزت أن تأتيه بحقه، فيرفع أمره إلى القاضي، وليس بتحويل القضاة إلى أولياء أمور جميع البيوت بتفاصيلها وتقلباتها، وحلوها ومرها؛ ففي هذا ظُلمٌ للأسرة، وتكليف للقضاة بما لا يطيقه بشر! وهذا ما استقر عليه العمل في القانون المصري وهو موافق للشرع مِن أن مِن حقِّ المرأة أن تطلب الطلاق إذا كان ثَمَّ ضرر يقتضيه، وأن لها أن تطلب الخلع إن استحكمت الفُرقة بينها وبين زوجها، وهو أمر تكليفي تخاطَب هي به، ومن جهة شرط قضائي يُبذل الوسع في غلبة الظن بحصوله عن طريق الحكمين.

(3) يذكر الشيخ هنا علة خفيت على كثيرٍ ممَّن يزعمون الدفاع عن المرأة وطبيعة المرأة الحياء، وإذا منعنا الرجل من الطلاق إلا بإذن القاضي فلا بد وأن يذكر عيوبًا، وكلها ممَّا يحرج المرأة، في حين أن الشرع لما جعل الطلاق بيد الرجل منحها حق أن تطلب الطلاق للضرر، وأن تذكر عيوب الرجل أمام القضاء! ومِن ثَمَّ فتسوية الرجل بالمرأة في أنه لا يطلِّق إلا بإذن القاضي يجعل المرأة تحت سهام زوج كاره لها يريد للقاضي أن يحكم له بطلاقها؛ فلو كان دَيِّنًا والتزم الصدق، فلن يعدم ما يفتشه من ستر امرأته، وغالب الرجال إذا كان قد وصل لحالة النفرة ربما اختلق من الأسباب ما يدعو القاضي أن يحكم له بالطلاق.

(4) بلا شك أن هذا الثاني هو الموافق للشرع والعقل؛ لا سيما وعند الرجل موانع من التساهل في الطلاق؛ لأنه غرم في الزواج، وسيغرم في الطلاق، بل ربما ما تؤديه المرأة تسامحًا وهي زوجة، تطلب عليه أجرًا وهي مطلقة: كإرضاع أبنائهما، وهي أمهم؛ إلا أن الشرع يوجب لها أجرة الرضاع إذا طلقت من أبيهم.

(5) العنوان من وضعنا.

(6) وهذا مما لم يلاحظه كثيرٌ ممَّن خاض في المسألة؛ أن الطلاق في مرحلة العقد يكاد يكون منعدم الضرر أو -على الأقل- لا يترتب عليه ضرر يتعلق بالأسرة، وسوف يعلِّق الشيخ لاحقًا على أن نسبَ الطلاق إذا كنا نريد منها قياس حجم تهديده للأسرة، فينبغي أن نستعيد منه الطلاق قبل الدخول، ومِن ثَمَّ يكون المطالبة بتضييق الطلاق قبل الدخول هو نوع من التناقض العجيب!

نعم إذا ارتفعت نسبة الطلاق قبل الدخول؛ فهذا يعني وجود خلل في طريقة الاختيار والخبرة بالحياة، يجب أن يتم تحرُّك اجتماعي لعلاجه، وهي أيضًا قضية لا علاقة للقوانين بها.

(7) مَن طلَّق الطلاق البدعي؛ فقد أساء، وحَرَم نفسه مِن مزية التروي، لكن الإجماع منعقد قبل شيخ الإسلام على الاعتداد به طلقة، ولا عبرة لكلام الشيعة.

(8) العنوان من وضعنا.

(9) العنوان من وضعنا.

(10) العنوان من وضعنا.