• الرئيسية
  • المقالات
  • معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (6) (موعظة الأسبوع) معجزات في طريق الهجرة النبوية

معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (6) (موعظة الأسبوع) معجزات في طريق الهجرة النبوية

  • 118

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير بما سبق مِن أن الله أجرى على يد أنبيائه ورسله من الآيات والمعجزات القاطعة، ما يدل على صدقهم ولا يدع عذرًا لأحدٍ في عدم الإيمان بهم وطاعتهم: قال -تعالى-: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) (الحديد: 25)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ) (متفق عليه).

- الإشارة إلى أننا لا زلنا نتناول المعجزات التي كانت في الفترة المكية، ونختمها هذه المرة بالمعجزات التي واكبت هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي تدور على نوعين:

الأول: رد كيد المشركين في محاولة منعه من الهجرة.

والثاني: حِفْظ الله له -صلى الله عليه وسلم- ورعايته له في طريق الهجرة.

(1) حفظه -صلى الله عليه وسلم- عند خروجه من مكة:

- حفظ الله له في ليلة الهجرة، وقد دبَّروا لقتله، وخروجه من بين أيدى المشركين دون أن يروه: قال -تعالى-: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30)، وقال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (يس:9)، قال أصحاب السِّيَر: "وخرج النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من البيت واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونهم، وهو يتلو: (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (كما في رواية ابن كثير في البداية والنهاية، 3/ 185).

- حفظ الله له في غار ثور، وقد وصل المشركون إليه، يريدونه حيًّا أو ميتًا، فأعماهم الله عنه: قال -تعالى-: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40)، وعن أبي بكر -رضي الله عنه- قال كُنْتُ مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الغَارِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فإذا أنا بأَقْدامِ القَوْمِ، فَقُلتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، لو أنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنا، قالَ: (اسْكُتْ يا أبا بَكْرٍ، اثْنانِ اللَّهُ ثالِثُهُما) (متفق عليه).

(2) غور قوائم فرس مَن تتبعه مِن المشركين في الأرض ومنعه من الوصول إليه:

- ولقد كان ذلك سببًا في إسلام مَن أراد به السوء، لما رأى أمرًا خارقًا يدل على تأييد الله وحفظه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، روى البخاري عن شراقة بن جعشم قال: جاءَنا رُسُلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ في رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وأَبِي بَكْرٍ، دِيَةَ كُلِّ واحِدٍ منهما (مائة بعير)، مَن قَتَلَهُ أوْ أسَرَهُ، فَبيْنَما أنا جالِسٌ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أقْبَلَ رَجُلٌ منهمْ، حتَّى قامَ عليْنا ونَحْنُ جُلُوسٌ، فقالَ يا سُراقَةُ: إنِّي قدْ رَأَيْتُ آنِفًا أسْوِدَةً بالسَّاحِلِ، أُراها مُحَمَّدًا وأَصْحابَهُ، قالَ سُراقَةُ: فَعَرَفْتُ أنَّهُمْ هُمْ، فَقُلتُ له: إنَّهُمْ لَيْسُوا بهِمْ، ولَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وفُلانًا، انْطَلَقُوا بأَعْيُنِنا، ثُمَّ لَبِثْتُ في المَجْلِسِ ساعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فأمَرْتُ جارِيَتي أنْ تَخْرُجَ بفَرَسِي، وهي مِن وراءِ أكَمَةٍ، فَتَحْبِسَها عَلَيَّ، وأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ به مِن ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرْضَ، وخَفَضْتُ عالِيَهُ، حتَّى أتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُها، فَرَفَعْتُها تُقَرِّبُ بي، حتَّى دَنَوْتُ منهمْ، فَعَثَرَتْ بي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ (سقطتُ) عَنْها، فَقُمْتُ فأهْوَيْتُ يَدِي إلى كِنانَتِي، فاسْتَخْرَجْتُ مِنْها الأزْلامَ فاسْتَقْسَمْتُ بها: أضُرُّهُمْ أمْ لا، فَخَرَجَ الذي أكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وعَصَيْتُ الأزْلامَ، تُقَرِّبُ بي حتَّى إذا سَمِعْتُ قِراءَةَ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وهو لا يَلْتَفِتُ، وأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفاتَ، ساخَتْ يَدا فَرَسِي في الأرْضِ، حتَّى بَلَغَتا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْها، ثُمَّ زَجَرْتُها فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْها، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قائِمَةً، إذا لأثَرِ يَدَيْها عُثانٌ ساطِعٌ في السَّماءِ مِثْلُ الدُّخانِ، فاسْتَقْسَمْتُ بالأزْلامِ، فَخَرَجَ الذي أكْرَهُ، فَنادَيْتُهُمْ بالأمانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حتَّى جِئْتُهُمْ، ووَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عنْهمْ، أنْ سَيَظْهَرُ أمْرُ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَقُلتُ له: إنَّ قَوْمَكَ قدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وأَخْبَرْتُهُمْ أخْبارَ ما يُرِيدُ النَّاسُ بهِمْ، وعَرَضْتُ عليهمُ الزَّادَ والمَتاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي ولَمْ يَسْأَلانِي، إلَّا أنْ قالَ: (أخْفِ عَنَّا)، فَسَأَلْتُهُ أنْ يَكْتُبَ لي كِتابَ أمْنٍ، فأمَرَ عامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِن أدِيمٍ (جِلْد)، ثُمَّ مَضَى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. (رواه البخاري).

وجوه الإعجاز في الحادثة:

- الأول: ضرب سُرَاقة لأزلامه التي كتب عليها: (أضرهم أو لا أضرهم)، ويتكرر الأمر معه أربع مرات(1): فيخرج قدح "لا تضرهم"، وهو أمر ليس بالعادي، وإنما هو مِن تقدير الله لحفظ رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

- الثاني: عثر فرس سراقة به عدة مرات، ولم يكن مِن عادة فرسه العثور -كما في بعض الروايات-، مع كونه فارس مغوار، ولم يكن مِن عادته السقوط، فالأمر ليس عاديًا، وإنما ذلك مِن حِفْظ الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-.

- الثالث: غور يدي فرس سراقة في الأرض، فالأرض تناصِر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتمنع تقدم الأعداء من الوصول إليه، فإن الأرض لم تنبعج تحت أرجل دواب قافلة النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قلنا بأنها كانت سبخة.

- الرابع: ثوران الدخان من الأرض نصرة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن أين كان؟ وما مصدره؟ والجواب: أنه تقدير القوي العزيز ليمنع الأعداء من الوصول إليه -صلى الله عليه وسلم-(2).

(3) آيات في خيمة أم معبد الخزاعية:

- شاة أم معبد الهزيلة، الحبيسة عن الرعي لضعفها، تدر اللبن الذي يسقي الطائفة من الناس، ببركة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عن حبيش بن خالد: أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خرجَ من مَكَّةَ مُهاجرًا إلى المدينةِ، وأبو بَكْرٍ -رضيَ اللَّهُ عنهُ-، ومولى أبي بَكْرٍ عامرُ بنُ فُهَيْرةَ، ودَليلُهُما اللَّيثيُّ عبدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقطٍ، فمرُّوا علَى خَيمتَي أمِّ معبدٍ الخزاعيَّةِ، وَكانتِ امرأةً برزةً جَلدةً تَحتَبي بِفناءِ الخَيمةِ، ثمَّ تَسقي وتُطعمُ، فسأَلوها لَحمًا وتمرًا ليشتَروا مِنها، فلَم يُصيبوا عندَها شيئًا من ذلِكَ، وَكانَ القَومُ مُرمِلينَ مُسنِتينَ، فنظرَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إلى شاةٍ في كَسرِ الخيمةِ، فقالَ: "ما هذِهِ الشَّاةُ يا أمَّ معبدٍ؟"، قالت: شاةٌ خلَّفَها الجَهْدُ عنِ الغَنمِ، قالَ: "هل بِها من لبَنٍ؟"، قالت: هيَ أجهدُ من ذلِكَ، قالَ: "أتأذَنينَ لي أن أحلبَها؟"، قالت: بأبي أنتَ وأمِّي، إن رأيتَ بِها حلبًا فاحلِبها، فدَعا بِها رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فمسَحَ بيدِهِ ضَرعَها، وسمَّى اللَّهُ -تعالى-، ودعا لَها في شاتِها، فتفاجَّتْ عليهِ ودرَّت، فاجترَّت فدَعا بإناءٍ يربضُ الرَّهطُ فحلَبَ فيهِ ثجًّا حتَّى عَلَاهُ البَهاءُ، ثمَّ سَقاها حتَّى رَوِيَت وسَقَى أصحابَهُ حتَّى رَوَوا وشربَ آخرَهُم حتَّى أراضوا، ثمَّ حلَبَ فيهِ الثَّانيةَ على هدَّةٍ حتَّى ملأَ الإناءَ، ثمَّ غادرَهُ عندَها، ثمَّ بايعَها وارتَحلوا عَنها، فقالَ ما لبثَت حتَّى جاءَها زوجُها أبو مَعبدٍ ليسوقَ أعنُزًا عِجافًا يتساوَكْنَ هِزالًا مُخُّهنَّ قليلٌ، فلمَّا رأى أبو مَعبدٍ اللَّبنَ أعجبَهُ، قالَ: مِن أينَ لَكِ هذا يا أمَّ معبدٍ والشَّاءُ عازبٌ حائلٌ، ولا حَلوبَ في البيتِ؟ قالَت: لا واللَّهِ؛ إلَّا أنَّهُ مرَّ بنا رجلٌ مبارَكٌ من حالِهِ كذا وَكَذا"(3).

وجوه الإعجاز في الحادثة:

الأول: كون الشاة عازبًا حائلًا -أي: صغيرة السن لا تصلح للحلب أصلًا-، ففي القصة: "فلمَّا رأى أبو مَعبدٍ اللَّبنَ أعجبَهُ، قالَ: مِن أينَ لَكِ هذا يا أمَّ معبدٍ والشَّاءُ عازبٌ حائلٌ؟".

الثاني: دعاؤه -صلى الله عليه وسلم- بإناءٍ كبيرٍ يكفي الجماعة الكبيرة، كما في القصة: "فدَعا بإناءٍ يربضُ الرَّهطُ".

الثالث: إقبال الشاة عليه -صلى الله عليه وسلم- مع أنها لم تعتد الحلب قبل ذلك، كما في القصة: "فتفاجأت عليهِ ودرَّت، فاجترَّت".

الرابع: نزول اللبن من الشاة التي تحلب لأول مرة باندفاعٍ شديدٍ، كما في القصة: "فحلَبَ فيهِ ثجًّا حتَّى علاهُ البَهاءُ".

الخامس: حلبها مرة ثانية، والعادة تكون مرة واحدة، والأعجب كثرة الحليب كما في القصة: "ثمَّ سَقاها حتَّى رَوِيَت وسقى أصحابَهُ حتَّى رَوَوا وشربَ آخرَهُم حتَّى أراضوا، ثمَّ حلَبَ فيهِ الثَّانيةَ على هدَّةٍ حتَّى ملأَ الإناءَ، ثمَّ غادرَهُ عندَها".

خاتمة:

وكانت هذه هي آخر معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفترة المكية، والتي كانت أكثرها لتحدي للمشركين، وللدلالة على صدقه -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك لم يؤمنوا! وبذلك تأتي معنا بعد ذلك الفترة المدنية التي كانت المعجزات فيها تتسم بالتثبيت للأتباع، وهذا ما يأتي عليه الحديث من المرة القادمة -إن شاء الله-.

نسأل الله أن يجمعنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الكريم في جنات النعيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وفي بعض الروايات: "أن الفَرَس غاصت بقوائمها الأربع حتى بطنها".

(2) وهناك وجه خامس لو صَحَّ الخبر به، وهو: تبشير النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتح بلاد فارس، وإخبار سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى، فقد ذكر ذلك الحافظان: ابن عبد البر وابن حجر -رحمهما الله- في ترجمتهما لسراقة بن مالك -رضي الله عنه- فقالا: "روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لسراقة: كيف بك يا سراقة اذا لبست سواري كسرى؟": قال فلما أُتي عمر -رضي الله عنه- بسواري كسرى ومنطقه وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، وقال له: "ارفع يدك، فقال: الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة الأعرابي!".

(3) رواه بطوله الطبراني في معجمه الكبير، والحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ"، وقال الإمام الذهبي في التلخيص: "صحيح"، وقال عنه الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: "والقصة مروية من طُرُق يقوي بعضها بعضًا، وقال ابن تيمية في الجواب الصحيح: مشهور، وقال الألباني في تخريج مشكاة المصابيح: "ضعيف، وقد يرتقي إلى الحسن أو الصحة بتعدد طرقه". وحديث أم معبد هو عُمْدة العلماء وأهل السير في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم-: ففي بقية الحديث: "... قالَ: صِفيهِ لي يا أمَّ معبدٍ، قالَت: رأيتُ رجلًا ظاهرَ الوضاءةِ، أبلجَ الوجهِ، حسَنَ الخلقِ، لم تَعِبْهُ ثَجلةٌ، ولم تُزريهِ صعلةٌ، وسيمٌ قسيمٌ، في عَينيهِ دعجٌ، وفي أشفارِهِ وطفٌ، وفي صوتِهِ صَهَلٌ، وفي عنقِهِ سَطعٌ، وفي لحيتِهِ كثاثةٌ، أزجُّ أقرَنُ، إن صمتَ فعليهِ الوقارُ، وإن تَكَلَّمَ سماهُ وعلاهُ البَهاءُ، أجملُ النَّاسِ وأبهاهُ من بعيدٍ، وأحسنُهُ وأجملُهُ من قريبٍ، حُلوُ المنطقِ فَصلًا، لا نزرٌ ولا هذرٌ، كأنَّ منطِقَهُ خرزاتُ نظمٍ، يتَحدَّرنَ، ربعةٌ لا تشنأَهُ من طولٍ، ولا تَقتحمُهُ عينٌ من قِصَرٍ، غُصنٌ بينَ غُصنَينِ، فَهوَ أنضرُ الثَّلاثةِ مَنظرًا وأحسنُهُم قدرًا، لَهُ رفقاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إن قالَ: سمِعوا لقولِهِ، وإن أمرَ تبادروا إلى أمرِهِ، مَحفودٌ محشودٌ، لا عابسٌ ولا مفنَّدٌ، قالَ أبو معبدٍ: هذا واللَّهِ صاحبُ قُرَيْشٍ الَّذي ذُكِرَ لَنا من أمرِهِ ما ذُكِرَ، ولقد هَممتُ أن أصحبَهُ، ولأفعلنَّ إن وجَدتُ إلى ذلِكَ سبيلًا".