رمضان فرصة يا مشتاق!

  • 116

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فها هي أيام الأنس والسعادة والسرور أقبلت تزف إليك البشرى أيها المشتاق، فيا مَن طال حزنه، ويا مَن طال بُعْده، ويا مَن طال ألمه، ومَن عاهد نفسه إن جاء رمضان أن يريَ اللهَ تعالى مِن نفسه خيرًا، وأن يعود ويتوب إليه.

وها قد أنعم عليك أرحم الراحمين، بأن مَنَّ عليك وجعلك تدرك أيام العتق والرحمة، والفرح والسرور، كما كان يبشِّر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بقدومه؛ لعظيم نعمة الله -تعالى- عليهم بقدومه، وسابغ فضله ورحمته -سبحانه وبحمده- فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

فهل ستقبل عليها كما أقبلت عليك؟

أم ستعرض عنها وتخلف الوعود، وتنكث العهود؟!

فاحذر أيها الكريم...

فلربما كان هذا آخِر رمضان لك، بل ولربما لم يقدَّر لك أن تكمله؛ فأسرع وبادر قبل أن تُبَادَر، وما عليك إلا أن تصدق مع الله في توبتك وإنابتك وحاجتك، حتى تجد أَجَلَّ وأَسْمَى العطايا من الشكور الكريم، وسرعان ما ينجلي عنك -بإذن الله- حزنك وقلقك، وألمك، ويستقر مكانه أنس وسرور وفرح، وهذا يحصل لك بالإقبال عليه، وعلى كتابه تدبرًا وتفهمًا، وعملًا وحياة معه وبه وله، فيعرفك ربك؛ فإذا عرفته أحببته.

كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة، كلام في غاية الحسن؛ فإن مَن عرف الله أحبه ولا بد، ومَن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب؛ فإنه لا حزن مع الله أبدًا؛ ولهذا قال حكاية عن نبيه أنه قال لصاحبه أبي بكر: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40)؛ فَدَلَّ أنه لا حزن مع الله، وأن مَن كان الله معه فما له وللحزن؟! وإنما الحزن لك الحزن لمَن فاته الله" (طريق الهجرتين).

وكلما ازعجك وارهقك الكسل والخمول، ونادتك الشهوات، فقل: يا نفس سرعان ما ينقضي شهرنا؛ فاثبتي واصمدي واستعيني بالله على ما يحبه ويرضاه، وإياك أن ترجعي وتنكصي على عقبك، وقد قرب الوصول، بل جدِّي وأسرعي، وازدادي؛ ليكمل فرحك وأنسك، وتذكري دائمًا انه: "لا حول ولا قوة إلا بالله".

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.