الصبر وفرحة الصوم

  • 94

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ: إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) (رواه مسلم وابن ماجه واللفظ له).

فأعظم ما يعين الصائم على إتمام صومه: هو ما يرجوه من ربه -سبحانه وبحمده- من القرب والمثوبة من ربه -سبحانه وبحمده-، ولربما صبرها أيضًا بما يشتهيه من المأكولات والمشروبات إذا ازداد إلحاحها عليه، فإذا أنعم الله -تعالى- عليه بإتمام صومه حصلت له فرحتان: الأولى عند فطره؛ لما يرجوه من القرب والثواب، وبعظيم نعمة وعون ربه له لإتمامه صومه، والأمر الآخر عند لقاء ربه  وتحقق ما وعد به العزيز الكريم من الفضل العظيم الذي أخفى قدره عنه، ومن إضافته له -سبحانه وبحمده-، وفي ذلك من عظمه وكبر قدره بمكان كما في الحديث الذي ذكرته لك سابقًا: (إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ).

ولو جعل كل منا هذه النظرة لحياته لحصل له الراحة والسكينة والرضا، فكلما نادته نفسه بالذنوب والشهوات  صبرها بما يرجوه عند ربه من القرب وعظيم الثواب، وإذا ضاقت عليه دنياه وضاق عليه عيشه اختبارًا وامتحانًا له، ذكرها بما ينتظرها من النعيم المقيم، وقد زال تعبه ونصبه وألمه، ففيها رغد العيش وكماله، ودوامه وسلامته من كلِّ عيب ونقص وآفة، بل هو نعيم خالص كامل من كلِّ وجهٍ كما سمَّاها أرحم الراحمين: دار السلام، وأعظم ما فيها رؤية وجه ربك الرحيم الذي طالما صبرت وتعبت لأجل أن ترضيه، والذي طالما أعانك ويسَّر لك الخير وسددك، وعفا عنك، وغفر لك ذنبك وتقصيرك، وقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يتواصون عند الشدائد، إنما هي أيام قلائل والموعد الجنة.

فاللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.