كيف تُحصِّل لذة تلاوة القرآن؟

  • 113

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن مِن أعظم نعم الله على خلقه: إنزال القرآن، وتيسير فهمه للناس، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(القمر:17).

ونعمة أخري أن تعيش مع القرآن: قراءة وتدبرًا، علمًا وعملًا، قال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا(الرعد:31)، وقال -سبحانه-: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(الأنبياء:10).

ولكي يتنعم الإنسان بهذه النعمة، ويتذوق حلاوة التلاوة، التي جعلت عثمان -رضي الله عنه- يقرأه في ركعة، والشافعي يختم ستين مرة في رمضان، والبخاري ثلاثين، وغيرهم يختم كل ثلاث، وآخرين كل سبع، ويظل المؤمن يقرأ الآية، يرددها ويبكي طوال الليل، لا يستطيع أن يتجاوزها - فلابد أن يتأدب بعشرة آداب عند تلاوته:

فالأول: فهم عظمة كلام الله وعلوه؛ ففضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على سائر خلقه، وكيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم.

الثاني: التعظيم للمتكلم، فالقارئ عند البداية بالتلاوة ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم -سبحانه وتعالى-، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرًا، فباطن معناه أيضًا محجوب عن القلب إلا إذا كان متطهرًا عن كل رجس، ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير، وكما لا يصح لمس جلد المصحف لكل يد، فلا يصلح لنيل معانيه كل قلب.

الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس، قيل في تفسير قوله -تعالى-: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ(مريم:12)، أي: بجد وحرص واجتهاد. (تفسير ابن كثير).

ومِن أخذه بالجد: أن يكون متجردًا له عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره.

قيل لبعضهم: "إذا قرأت القرآن تحدِّثُ نفسك بشيء؟ فقال: أوَشيء أحبُّ إليَّ مِن القرآن حتى أحدِّثَ به نفسي!"، وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية، وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم، فإن المعظِّم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه، ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلًا له.

الرابع: التدبر: ويعين على ذلك: معرفة تفسير الآيات من كتاب تفسير -كما ذكرنا سابقًا-؛ ولذلك سُنَّ الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن، قال علي -رضي الله عنه-: "لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبر فيها، وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد؛ فليردد".

وقد كان حال أهل الإيمان في ذلك عجيبًا؛ قام تميم الداري ليلة بهذه الآية: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(الجاثية:21)، وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ(يس:59)، وقام محمد بن المنكدر بقوله -تعالى-: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ(الزمر:47). وقال بعضهم: "إني لأفتح السورة فيوقفني بعضُ ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر"، وكان بعضهم يقول: "آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدُّ لها ثوابًا".

وحُكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: "إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال، ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها". وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها، ولا يفرغ من التدبر فيها! وقال بعضهم: "لي في كل جمعة ختمة، وفي كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد"، وذلك بحسب درجات تدبره وتفهمه.

الخامس: التفهم: وهو: أن يستوضح من كل آية ما يليق بها.

السادس: التخلي عن موانع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحُجُب أسدلها الشيطان على قلوبهم، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن.

وحُجُب الفهم ثلاثة:

أولها: أن يكون الهَمُّ منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، دون التفهم لمعانيها.

ثانيها: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد، وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصب له لمجرد الاتباع للمسموع من غير وصولٍ إليه ببصيرة ومشاهدة.

ثالثها: أن يكون مصرًّا على ذنب، أو متصفًا بكبر، أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وكلما كانت الشهوات أشد تراكمًا، كانت معاني الكلام أشد احتجابًا، وكلما خَفَّ عن القلب أثقال الدنيا قرُبَ تجلي المعنى فيه.

السابع: التخصيص، وهو أن يقدِّر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرًا أو نهيًا قدَّر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدًا أو وعيدًا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء عَلِم أن السَّمَرَ غير مقصود، وإنما المقصود ليعتبر به، وليأخذ منه ما يحتاج إليه، وهكذا في كل آية من كتاب الله -تعالى-، مرض عمر -رضي الله عنه- شهرًا يعوده الناس عند سماع قوله -تعالى-: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ . فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ . عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(المدثر: 8 - 10).

الثامن: التأثر: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات، فيكون له بحسب كل فَهْم حَالٌ وَوَجْدٌ يتصف به قلبه مِن الحزن والخوف، والرجاء، وغيره، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته -تعالى- كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يخضع لجلاله، ويستشعر عظمته، وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله -عز وجل-، كذكرهم لله -عز وجل- وَلَدًا وصاحبة، يغّضُّ الصوت، وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم، وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقًا إليها، وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفًا منها، وإذا قال: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(الممتحنة:4)، ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيًا، وإذا قال: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا(إبراهيم:12)، فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة، فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان.

التاسع: الترقي، فتترقى من شهود حال قراءتك إلى أنك تقرأ واقفًا بين يدي الله -تبارك وتعالى-.

العاشر: التبري: وهو أن يتبرأ مِن حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين الرضا والتزكية، فإذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها، ويتشوف إلى أن يُلْحِقه الله -عز وجل- بهم، وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصّرين، شهد على نفسه هناك، وقدَّر أنه المخاطَب خوفًا وإشفاقًا.

قيل ليوسف بن أسباط: "إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ فقال: أستغفر الله -عز وجل- من تقصيري سبعين مرة"، فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة، كانت رؤيته سبب قربه، ومهما كان مشاهدًا لنفسه بعين الرضا صار محجوبًا بنفسه عن الله -عز وجل-.

وكان الشافعي -رحمه الله- يقول:

أحب الصالحين ولست منهـم            لـعـلـي أن أنـال بـهـم شفاعة

وأكـره من تجارته المعـاصي           وإن كـنـا سـواء في البضاعة

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدك وخليلك محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.