إنها كلمة... !

  • 191

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمِن المعلوم: أن الله -تعالى- كما تعبدنا بالأفعال تعبدنا بالأقوال،؛ ولذلك عرف العلماء العبادة بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة، وعبادات الأقوال هي التي تتعلَّق باللسان، وهي كثيرة جدًّا، منها: الدعاء والذكر، وأعظمه: قراءة القرآن، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك كثير.

ومن العبادات القولية: الكلمة الطيبة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) (متفق عليه).

قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "الكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين: طيبة بذاتها، وطيبة بغاياتها؛ أما الطيبة بذاتها كالذكر: لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الذكر: قراءة القرآن. وأما الكلمة الطيبة في غاياتها؛ فهي الكلمة المباحة: كالتحدث مع الناس إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم" (شرح رياض الصالحين).

ولا يخفى علينا ما للكلمة الطيبة من آثار على النفوس، وثمرات في القلوب، فبالكلمة الطيبة ندعو سائر الأنام، إلى الإيمان والإسلام، ونصلح ذات البين، ونرد العيب والشين، وبالكلمة الطيبة نأمر بالمعروف، وننهى عن النكران بالقول المألوف، والحكمة والإحسان، وبالكلمة الطيبة نصلح بين الخلق، ونحكم بينهم بالحق، وبالكلمة الطيبة نبر الآباء والأمهات، ونعطف على البنين والبنات، ونحسن إلى الزوجات والأخوات، وبالكلمة الطيبة ترفع العداوات، وتنتهي الخصومات، ويجتمع الشتات، ويعفى عن الزلات والهفوات، وبالكلمة الطيبة تلين القلوب، وتستر العيوب، وترد غيبة الكذوب، والعبد بها يتوب إلى علام الغيوب.

وبالكلمة الطيبة اهتدى الضالون، والتزم بالشرع المنحرفون، وازداد إيمانًا المؤمنون، وبالكلمة الطيبة زاد الحب والإيناس، بين كثير من الناس، وأُمِن من نزغ الوسواس الخناس، وبالكلمة الطيبة نعزي كل مصاب، ونفتح الأبواب لكل من تاب وأناب، قال -تعالى-: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة:83)، قال ابن كثير -رحمه الله-: "كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

وقال -تعالى- أيضًا: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) (الإسراء:53).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يأمر -تعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنه إذ لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة".

فينبغي على المسلم أن يتكلم بما هو أحسن، وليس بالحسن فقط، فيستعرض ويستحضر أجمل الكلمات، وأحسن الألفاظ التي يطيب بها خاطر مَن يكلمه، وذلك مع جميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، مطيعهم وعاصيهم، صغيرهم وكبيرهم، وكذلك يجب عليه أن لا يتكلم إلا بالخير كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ) (متفق عليه).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ -تعالى- مَا يُلقِي لهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّه بهَا دَرَجاتٍ، وَإنَّ الْعبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ -تعالى- لا يُلْقي لهَا بَالًا يهِوي بهَا في جَهَنَّم) (رواه البخاري).

فالواجب أن يحفظ الإنسان لسانه فلا يتكلم إلا فيما ينبغي، فقد يتكلم بكلمة خبيثة يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، كأن يدعو إلى فاحشة أو يسب الله أو يسب رسوله أو يسب الدِّين، فيقع في منكر عظيم وردة عظيمة، وقد يمزح ولا يتبين ولا يتثبت، فيقع في شر عظيم كأن يقول: فلان بخيل، فلان أحمق، وهو  يمزح، ويتناسى أن هذه غيبة، وإثمها عظيم، وأشر من هذا وأعظم أن يدعو إلى الفاحشة، يدعو إلى الزنا يدعو إلى المعاصي. نسأل الله العافية.

 قال الشاعر:

يـمـوت الـفــتـى مـن عـثـرة بـلسانـه               وليس يموت المرءُ من عثرة الرِّجل

فـعــثـرتـه بـالـقــول تـذهـــب رأســه               وعثرته بالرِّجل تـبـرأ عـلـى مــهــل

ولما سأل معاذٌ النبيَ -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ له: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا اللسان عضو صغير الحجم، لكنه عظيم الخطر؛ ولذلك كان السلف الكرام -رضي الله عنهم- شديدي الحرص على استعماله في كل ما يرضي عنهم ربهم -عز وجل-.

وعن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: دخل على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه! غفر الله لك. فقال أبو بكر: "إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ" (رواه مالك في الموطأ)، وهو مَن هو؛ صِدِّيق هذه الأمة وخيرها بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف بنا  نحن؟! الله المستعان!

وثبت عن عبد الله بن مسعودٍ -رضي الله عنه- أنهُ أخذَ بلسانِهِ وخاطبهُ: يا لسانُ، قُلْ خيرًا تَغْنَمْ، واسكُتْ عن شرٍّ تَسلَمْ مِنْ قبلِ أن تندمَ، إني سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

خاصم رجلٌ الأحنفَ بن قيس وقال: "لئن قلتَ واحدة لتسمعن عشرًا! فقال: لكنك إن قلتَ عشرًا لم تسمع واحدة". وقال: "مَن أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون"، وعنه سُئِل: ما المروءة؟ قال: "كتمان السر، والبعد من الشر".

سَبَ رجلٌ يحيى بن معين، فلم يرد عليه يحيى، فقالوا له: "لماذا لم ترد عليه؟ فقال: ولماذا تعلمنا العلم إذًا"، وجاء رجل لخالد بن الوليد فقال له: إن فلانًا شتمك، فقال: "تلك صحيفته فليملأها بما شاء". وقال رجل لوهب بن منبه: "إن فلانًا شتمك، قال: أما وجد الشيطان رسولًا غيرك!".

ولله در الشافعي -رحمه الله- إذ يقول:

يخاطبني السفيه بكل قبح                 فأكره أن أكون له مجيبًا

يزيد سـفـاهة فـأزيد حلمًا                 كعودٍ زاده الإحراق طيبًا

وقال أيضًا -رحمه الله-:

إذا نطق السفيه فلا تجبه                 فخير مِن إجابته السكـوت

فـإن كـلـمـتـه فَرَّجْتَ عنه                 وإن خـلـيـتـه كـمـدًا يموت

وجاءه رجل فقال له: فلان يذكرك بسوء فأجابه: "إذا صدقتَ فأنت نمام، وإذا كذبت؛ فأنت فاسق"، فخجل وانصرف.

لذلك كانت نصيحة النبي -صلى الله عليه وسلم- لكل مسلم: (امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، منبهًا إياه إلى خطر اللسان، ووجوب حفظه، وإمساكه، والتفكر في الكلام قبل النطق به، قال -تعالى-: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:18)، فالملكان يسجِّلان كل شيء يقوله الإنسان، فقد يقول خيرًا يؤجر عليه، وقد يقول شرًّا يأثم عليه، وقد يقول مباحًا؛ لا له ولا عليه.

وقد حذَّر الشافعي -رحمه الله- من خطر اللسان فقال:

احـفـظ لـسـانـك أيها الإنـسـان           لا يـلـدغـنـك إنـه ثـعـــبــان

كم في المقابر من قتيل لسانه           كانت تهاب لقائه الشجعان

فاللهم نسألك أن تحفظ علينا ألسنتنا، فلا نتكلم إلا بما يرضيك عنا، واحفظ علينا جوارحنا فلا تتحرك إلا في طاعتك.

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.