• الرئيسية
  • المقالات
  • التغطية الإعلامية المنحازة ضد السلفية في رمضان (الموقف من العنف - حجية حديث الآحاد)

التغطية الإعلامية المنحازة ضد السلفية في رمضان (الموقف من العنف - حجية حديث الآحاد)

  • 1015

التغطية الإعلامية المنحازة ضد السلفية في رمضان

(الموقف من العنف - حجية حديث الآحاد)

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فبينما يدَّعي الليبراليون أن جوهرَ مذهبهم هو حرية الرأي؛ إلا أننا في الواقع نجد: أنهم لا يطبِّقون هذا إلا على الآراء التي تأخذ منهم صكَ اعتراف بصلاحيتها، وأما تلك التي لا يرونها هم صالحة؛ فإنهم يمارسون ضدها أشد أنوع الديكتاتورية، وستجد أنواعًا مِن تزييف الواقع والتاريخ، والتُّهَم المرسلة، والمغالطات المنطقية!

وإذا كانت الليبرالية تدعو إلى التحرر مِن سلطة الدِّين؛ إلا أنها -بلا شك- على طرف النقيض تمامًا مع السلفية التي تنادي بتحقيق العبودية لله؛ تلك التي نستعين الله عليها -على الأقل- سبعة عشر مرة في اليوم والليلة، حينما نقرأ الفاتحة في صلاتنا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5).

وهذا يعني أن قضية العبودية لله هي القضية الأكثر أهمية في الإسلام، ولكن -بفضل الله- انشغلت بها السلفية، بينما انشغل عنها الشيعة، ومَن حذا حذوهم مِن الصوفية، بمزاحمة تقديسهم لمَن يظنون بهم الولاية،
وانشغل تيار الليبروإسلام بمغازلة الليبراليين على أمل الحصول على صكِّ اعترافٍ بهم، وبقي كلُّ مَن لم ترهبه محاكم تفتيش العالمانيين، ولا صيحاتهم، مستَمِدًّا منهجه مِن الكِتَاب والسُّنَّة بفهم سَلَف الأمة، يضع نصب عينيه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)
(الحجر:99)، معتقدًا أنه بالعبودية لله ينال حريته مِن كلِّ مَن يريدون منه أن يتمرد على خالقه؛ ليكون تابعًا لهم، كما قال ربعي بن عامر -رضي الله عنه- لرستم قائد الفرس: "إن الله ابتعثنا لإخراج العباد مِن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد".

والحاصل: أن القوم منشغلون جدًّا بحرب السلفية، فإذا أخطأ أيُّ منتسِب للحركة الإسلامية، قالوا: "السلفية وراء خطئه!"؛ حتى لو كانت السلفيةُ تردُّ عليه ويرد عليها، كما في السِّجَال الذى يعرفه القاصي والداني بين السلفية وداعش وأخواتها؛ هذا السِّجَال الذي بلغ بهم أن اغتالوا الدكتور "مصطفى عبد الرحمن" -رحمه الله وأنزله منازل الشهداء-، ومع هذا فهم لا يفتأون يقولون: "إن داعش والسلفية شيءٌ واحدٌ!"، والقوم يحلمون بانتهاء السلفية مِن الوجود.

ومِن فرط مداعبة هذا الحلم لخيالهم: يستنبطون مِن كلِّ حَدَثٍ أن السلفية إلى أفول، حتى ولو كان حوارًا تليفزيونيًّا عارضًا: كحديث ولي العهد السعودي الرمضاني، وما ورد فيه من الكلام عن حديث الآحاد.

وسوف نتناول في هذه المقالة هاتين القضيتين اللتين أقحم فيهما الليبراليون السلفية:

أولًا: مواجهة الدعوة السلفية للعنف والتكفير مواجهة إستراتيجية وفكرية وشاملة، ولا نملك مِفْتَاح قلب كلِّ مَن يسمِّي نفسه سلفيًّا:

أثار قصة السلفي الذي استدرجه قيادي إخواني لحضور "اعتصام رابعة" التي وردتْ في سياق "مسلسل الاختيار 2" لُعَاب كارهي السلفية لكي يَتَّهِم السلفيةَ بأن جميعَ قواعدها كانت صورة مِن هذا الشخص المخدوع، وهذه الصورة تمثِّل جزءًا مِن الواقع.

وأما الجزء الآخر: فقد كنا نتمنى أن يتم إثباته؛ ليكون التأريخ مكتملًا ومُنْصِفًا للجميع، وليقطع الطريق على مَن اعتبروا أن إغفال هذا القِسْم يعني أن الجميع شاركوا في موجة العنف والتكفير؛ فإن هذا الجزء المغفل كان مِن نصيب القطاع الأكبر من السلفيين؛ الذين رفضوا الانخراط في العنف، وعلى رأسه: "الدعوة السلفية"؛ فنحن في "الدعوة السلفية" نقاوِم هذا الفكر ديانة لله -عز وجل-، بغض النظر عن أية حسابات سياسية؛ لقناعتنا أن فتنة التكفير، والجرأة على سفك الدماء هي مِن أخطر الآفات التي تصيب الأمة، وتعوق الدعوة إلى الله.

وفي ذات الوقت: فإن الدعوة السلفية لا تملك مِفْتَاح كلِّ مَن يسمِّي نفسه سلفيًّا، وإن كنا نظن أن مَن تابع الأحداث بدقة، ورصدها بتجردٍ، يمكنه إدراك وجود طرح الدعوة السلفية التي تتبنى الدعوة الإصلاحية السلمية العلنية، كما سيجد عددًا لا بأس به مِن الرموز السلفية التي لا تنتمي للدعوة السلفية، ولكنهم أيضًا يرفضون العنف والتكفير، وسيجد أن الدعوة استعملت كلَّ منابرها الإعلامية، وكل ما أُتِيح لها مِن منابر إعلامية في النهي عن العنف والتكفير.

ونحن لا ننكر مشاركةَ -بل وتَصَدُّر- عددٍ مِن التنظيمات أو الأفراد الموسومين بالسلفية لمشاهد العنف أو التكفير، أو حتى التلويح به، ولكن الباحث المنصِف سوف يدرك بسهولة أنهم أصحابُ توجُّهٍ إخواني أو قطبي، بل ربما يكون تكفيريًّا أحيانًا، وإذا جاز لآحاد الناس أن تختلط عليه الأمور؛ فلا يجوز أن تختلط على مَن يدَّعي البحث عن الحقيقة إن كان بالفعل يريد الحقيقة!

ومِن المهم هنا أن نرد على تهمة طالما رددها الكثير، وهي: "أن كلَّ قواعد الدعوة السلفية كانت في رابعة!ّ":

الواقع: أن جميع المحللين يعلم أن الدعوة السلفية نصحت "الدكتور مرسي" بالاستجابة لمطالب المعارضة؛ حتى لا تتفاقم الأمور، ثم لما فشل في احتواء المعارضة وخرجت الجموع للشارع، طالبته بإجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ مبكرةٍ، ولكن جماعة الإخوان اختارت التلويح بخطاب التكفير والعنف مِن قَبْل اعتصام رابعة، ثم دَعَت إلى اعتصام رابعة، ورفضت الدعوة السلفية التواجد فيه؛ لما ظهر مِن خطابٍ تمهيدي له رفضته الدعوة رفضًا قاطعًا.

والذي أريد أن أصل إليه من ذلك: أن هناك فاعليات حَضَرَتْهَا الدعوةُ السلفية، وهناك نقطة فاصلة رفضت فيها الدعوة السلفية المشاركة، وهي: "اعتصام رابعة العدوية".

إن المقارنة بين "مشهد اعتصام رابعة"، والفاعليات التي حضرتها الدعوة قَبْله، يؤكِّد الغياب المؤثِّر تأثيرًا هائلًا للدعوة عن "اعتصام رابعة"؛ نعم حضره مَن أشرنا إليهم، وبعض مَن تأثر بهم، ولم تتوانَ الدعوة السلفية في اتخاذ مواقف في غاية الوضوح بلا أي مواءمات مع أي شخص تورَّط في هذه الأحداث؛ لأنها تعتبر هذا خروجًا عن خطها العام منذ نشأتها.

ولم يقف الأمرُ عند رفض التواجد في اعتصام رابعة، بل مع تصاعد عمليات العنف والتكفير كثَّفَت الدعوة من نشاطها في الردِّ على هذا الفكر، وبلغ مِن ضيق أصحاب هذا الفكر برد الدعوة عليهم؛ أن قاموا باغتيال "أمين حزب النور" بمحافظة شمال سيناء، الدكتور "مصطفى عبد الرحمن" -رحمه الله وأنزله منازل الشهداء-.
وقال بيان الداخلية: "إن دَافِعَ الجريمة هو: قيام الدكتور مصطفى عبد الرحمن بالرد على التكفير،
كما نشر اليوم السابع".

وقال مسئول مركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية: "إن عناصر تكفيرية هي التي قَتَلَتِ الدكتور مصطفى عبد الرحمن محمد علي عبد الراضي، أمين حزب النور بشمال سيناء، والمرشَّح لانتخابات مجلس النواب، بإطلاق النار عليه عقب مغادرته منزله بمنطقة الضاحية في مدينة العريش".

وأشار مسئول مركز الإعلام الأمني بوزارة الداخلية: "أن الهدف مِن وراء الجريمة هو تمرير رسالة للتأثير سلبًا على مسار العملية الانتخابية؛ خاصةً في شمال سيناء، وبسبب موقف المجني عليه الرافض للفكر التكفيري، وتكثِّف الأجهزة الأمنية حاليًا جهودها لتحديد الجناة وضبطهم".

وأفاد مصدر بمديرية أمن شمال سيناء: "أن فريق بحث على أعلى مستوى لملاحقة المتهمين باغتيال الشهيد، حيث يتم السماع لأقوال شهود العيان وجمع المعلومات، وفحص ملفات العناصر التكفيرية بالمنطقة، وسيتم القبض على الجناة في القريب العاجل".

وخيَّمت حالة من الحزن على مسقط رأس الشهيد بقرية شطورة في سوهاج، بعد ما شيَّع الآلاف جثمانه مِن منزله بديوان عائلة الأشراف، في جنازة مهيبة امتدات كيلو مترات.

وقال الجيران: "إن الشهيد كان محبوبًا في القرية، ويأتي إليها قادمًا من العريش، ويحرص على صلة الرحم والصلح بين الخصوم، وتقديم المساعدات للفقراء".

وأوضح الجيران: "أن الشهيد ترك 3 بنات في عمر الزهور؛ إحداهن لم يتخطَّ عمرها الأيام، وهناك حالة مِن الحزن تسيطر على زوجته وأشقائه الخمسة ووالدته، وأبناء عمومته".

وتابع الجيران: "أن الشهيد كان دائمًا يُعلي قيم التسامح ونبذ العنف، ويدعو إلى الاصطفاف الوطني، والعمل على النهوض بالبلاد والسير قُدُمًا نحو بناء الوطن".

https: //www. youm7. com/story/2015/10/26/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%AA%D9%83%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B1-%D8%A8%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%A1/2408762

ونعاه الأزهر الشريف كما نشرت الأهرام: "أدان الأزهر الشريف عملية الاغتيال الإرهابية للدكتور مصطفى عبد الرحمن، أمين حزب النور بشمال سيناء، والمرشَّح للانتخابات البرلمانية".

وأكَّد الأزهر في بيان: "أن الشعب المصري لن يرضخ لهذا الإرهاب الجبان الذي يستهدف المصريين بكل توجهاتهم وأفكارهم، ولن تنكسر عزيمتهم وإرادتهم الماضية في نهضة الوطن، وإعادة بناء المؤسسات التي سوف تكتمل بانتخاب البرلمان.

وأعرب الأزهر الشريف عن خالص تعازيه، وصادق مواساته لأسرة الفقيد، داعيًا المولى -عز وجل- أن يتقبَّله في رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان".

https: //gate. ahram. org. eg/News/785744. aspx

ونعاه أيضًا مفتي الجمهورية -كما نشرت الأهرام أيضًا-: "أدان الدكتور شوقي عَلَّام مفتي الجمهورية، العملية الإرهابية الغاشمة التي استهدفت اغتيال الدكتور مصطفى عبد الرحمن أمين عام حزب النور بشمال سيناء، وأحد المرشحين للانتخابات البرلمانية".

وأكَّد مفتي الجمهورية في بيان له: "أن الإرهاب الأسود لا همَّ له إلا إعاقة مسيرة الاستقرار، وإرهاب كلِّ مَن يسعى لذلك؛ حتى يستمروا في نشر تطرفهم وأفكارهم المشوهة.

وأضاف المفتي: أن تلك العمليات الإرهابية لن تنال من عزيمة المصريين في استكمال خارطة الطريق للخروج بمصر إلى برِّ الأمان، وانتخاب برلمان يعبِّر عن إرادة الشعب المصري.

ودعا مفتي الجمهورية الله -سبحانه وتعالى-، أن يتغمد الفقيد برحمته، وأن يلهم أهله الصبر والسلوان، وأن يحفظ الله مصر وشعبها مِن شرِّ الإرهاب والتطرف".

https: //gate. ahram. org. eg/News/785853. aspx

لقد قَدَّر اللهُ أن يستهدف هؤلاء المجرمون الدكتور "مصطفى عبد الرحمن"؛ ليبقى شاهدًا لا يقبل التزييف على موقف الدعوة السلفية المناوئ للعنف، حتى في الأحداث التي ذهبت بأحلام كثيرٍ مِن أولى الأحلام،
ونسأل الله أن يوفقنا إلى اتباع الكتاب والسُّنَّة، وتحقيق مصالح ديننا وبلادنا.

ثانيًا: السلفية وموقفها الواضح من أحاديث الآحاد:

في لقاء تلفزيوني مع الأمير "محمد بن سلمان" ولي العهد السعودي، قال فيه كلامًا حسنًا عن أن دستور المملكة كان وسيظل العمل بالقرآن والسُّنَّة؛ إلا أنه تطرق للكلام عن أحاديث الآحاد كلامًا أثار لغطًا كبيرًا، وعَدَّه العالمانيون انتصارًا كبيرًا لمنهجهم، وتراجعًا سلفيًّا عن قضية اتباع السُّنَّة، مع أنه لو تصور كونه تراجعًا لما جاز نسبته إلا إلى قائله!

ثم إن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية أصدرت بيانًا أكَّدت فيه أن ما أراد الأمير بيانه هو العمل بالكتاب والسنة الصحيحة، وبلا شك؛ فإن الكلام بهذا الإيضاح هو الحق الذى لا نقبل غيره.

ويجب أن يعرف العالمانيون: أن قضية حجية السُّنَّة، هي قضية قرآنية محسومة؛ لقوله -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7)، وقوله -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل:44).

وقد وَضَعَ العلماءُ تقسيمًا اصطلاحيًّا للحديث إلى: "متواتر، وآحاد"؛ ليُرَتِّبوا عليه: أن المتواتر أغنت كثرة رواته في كلِّ طبقةٍ مِن طبقاته عن الحاجة إلى تمحيص حالِ كلٍّ منهم على حِدَة، بخلاف الآحاد الذي يحتاج إلى تمحيص يحكم بناءً عليه إما بالقبول أو الرد، والمقبول يشمل: الصحيح والحسن، والمردود يشمل: الضعيف والموضوع، ولكن في النهاية: كان العلماء يقبلون كل ما نُقِل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بطريق تحصل معها الثِّقَة بصحة هذا النقل.

ولما أراد الزنادقة أن يستثمروا هذا التقسيم في ردِّ سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تَصَدَّى لهم الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-؛ أي: أن أمر هذه البدعة وأصلها أسبق مِن: ابن عبد الوهاب، أو ابن تيمية أو حتى الإمام أحمد بن حنبل -رحمهم الله تعالى-، وكان الرد على هؤلاء على يدِّ الإمام الشافعي -رحمه الله-.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه: "الرسالة": "باب تثبيت خبر الواحد: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصِّ خبرٍ أو دلالةٍ فيه أو إجماعٍ. فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ ورائهم) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فلما نَدَب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظِها، وأدائها امْرَأً يؤديها، والامْرُؤُ واحدٌ؛ دَلَّ على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على مَن أُدِّيَ إليه؛ لأنه إنما يُؤدَّى عنه حلال، وحرام يُجتَنَب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دينٍ ودنيا. ودل على أنه قد حمل الفقهَ غيرُ فقيه، يكون له حافظًا، ولا يكون فيه فقيهًا.

وأمْرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين -إن شاء الله- لازمٌ؛ أخبرنا سفيان، قال: أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال النبي: (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

قال ابن عيينة: وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي بمثله مرسلًا.

وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامُهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نصَّ حُكْمٍ في كتاب الله، وهو موضوع في غير هذا الموضع" (الرسالة للشافعي -تحقيق الشيخ أحمد شاكر- 1/ 405).

ثم ساق -رحمه الله- أمثلة كثيرة جدًّا لعمل الأمة بخبر الواحد في زمنه -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته، منها في زمانه عملهم بخبر الواحد في تغيير القبلة أثناء الصلاة في مسجد قُبَاءٍ، وفي الامتناع عن الخمر وسكبها في الطرقات، وفي رسله -صلى الله عليه وسلم- الذين أرسلهم يدعون الكفار أو يعلِّمون المسلمين.

والذي لا يعرفه العالمونيون: أن كلَّ مَن له اشتغال بالعِلْم في الأُمَّة الإسلامية؛ إما أن يكون سلفيًّا أو أشعريًّا أو ماتريديًّا، وأما المعتزلة فلا يكاد يوجد مِن العلماء مَن يقول بمذهبهم، ومما انفردوا: به رفض العمل بحديث الآحاد بالكلية، وهو ما يوافِق هوى العالمانيين، وإن كان العالمانيون يقعون في تناقضٍ فجٍّ حينما ينصرون التوجهات الاعتزالية، على الرغم مِن أن المعتزلة إنما رَدُّوا السُّنَّة لكي يتمكَّنوا مِن حمل القرآن على تكفير المسلمين وقتالهم، وهي القضايا التي يزعم العالمانيون أنها أكثر ما يزعجهم في الدِّين!

والشاهد: أن حتى علماء الأشاعرة يستقبحون جدًّا الدعوة إلى عدم العمل بحديث الآحاد في الأحكام، وقد رَدَّ "الغزالي" في "المستصفَى" على المعتزلة، وكذا جمع كبير مِن علماء الأصول الأشاعرة.

وقد بَيَّن "الغزالي": أن غلبةَ الظَّنِّ بصحة خبر الواحد ملحقة باليقين الذي في صحة المتواتر، شأنها في ذلك شأن أمور شرعية كثيرة بُنِيَت على الظنِّ الراجِح.

وذكر أن أن التفريق بينها غير ممكن، فقال -رحمه الله-: "فصل في التعبُّد بخبر الواحد، وما جاء فيه: ثُمَّ أُلْحِقَ الْمَظْنُونُ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ فَتْوَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحُكْمُهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَفَتْوَى سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَحُكْمُ سَائِرِ الْقُضَاةِ، مَظْنُونٌ وَأُلْحِقَ بِالْمَعْلُومِ، وَالْكَعْبَةُ تُعْلَمُ قَطْعًا بِالْعِيَانِ وَتُظَنُّ بِالِاجْتِهَادِ، وَعِنْدَ الظَّنِّ يَجِبُ الْعَمَلُ كَمَا يَجِبُ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ، فَكَذَلِكَ خَبَرُ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّوَاتُرِ، فَلِمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُلْحَقَ الْمَظْنُونُ بِالْمَعْلُومِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ خَاصَّةً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فِي مَفْسَدَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ أَصْلًا" (المستصفى، ص 117).

نعم تأثَّر الأشاعرةُ بالمعتزلة في هذه المسألة رغم هذه الردود القوية عليهم، فقالوا بعدم العمل بحيث الآحاد في العقيدة! وهذه قضية فارقة بين السلفية والأشعرية؛ إلا أنها لا تخص العالمانيين في شيء، فكل مشكلتهم في قضايا تشريعية، وهي محل اتفاق بين السلفيين والأشاعرة على حجية أحاديث الآحاد الصحيحة فيها، وأن الطعن في حجيتها هدم للدين كله؛ ولذلك التبس عليهم في كثيرٍ مِن الأحيان السلفية بالأشعرية، أو صرَّحوا بأنهم يريدون تخطي الفريقين معًا -"وهم تقريبًا كل علماء الأمة"- واتِّبَاع المعتزلة! كما جاء في مقال الدكتور "جابر عصفور" تعليقًا على خطاب شيخ الأزهر الذى دَافَع فيه عن حُجِّيَّة السُّنَّة.

فلا وَجْه لأَن يعتبرَ العالمانيون أنفسهم قد انتصروا انتصارًا حاسمًا في معركة هذا تاريخها، وتلك جذورها، بحديث إعلامي من قائدٍ سياسي تَلَاه توضيح علمي منضبط من هيئة كبار علماء بلده!

ثم إن السلفية تتمثَّل شعار الإمام مالك -رحمه الله-: "كلٌّ يُؤْخَذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر"، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فالحمد لله الذي لم يجعل لنا إلهًا غيره، ولا متبوعًا إلا رسوله -صلى الله عليه وسلم- المبلِّغ عنه، وجعل كل أحدٍ بعده لا يُقْبَل كلامُه إلا بحجةٍ مِن: قال الله، قال رسوله، وبفهم الذين عايشوا ذلك الوحي، وعاينوا تطبيقه من الصحابة والتابعين.