(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)

  • 120

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي خاتمة هذا الشهر المبارك تتداخل المشاعر ما بين حزن على وداع لا يدري: هل ندركه مرة أخرى أم لا، وفرح بفضل الله بقدوم عيد الفطر المبارك، وكذا شكر على نعمة ومنة جسيمة، والله لا يُوفَّى حقها مهما فعل من  اجتهاد، ولكن بشكر واستغفار كما روى ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره عن طلق بن حبيب -رحمه الله-: "إِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعِبَادُ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وامسُوا توابين".

فلا يسعنا إلا أن نُكثر من الاستغفار والتوبة اعترافًا منا بعجزنا عن أن نُوفي حق الله علينا وشكر نعمته، وأيضًا: فإن مَن ذاق الأنس والقرب، وجميل مناجاة القريب المجيب، وعَلِم قَدْر هذه النعمة أن جعله مسلمًا ومَنَّ عليه بالدين القيم؛ عَلِم أن الاجتباء الحقيقي والتفضيل الحقيقي، إنما هو بنعم الآخرة؛ لذلك سيكون حريصًا أشد الحرص على بقاء هذه النعمة، وعدم التفريط فيها، بل قلَّ حتى نقصانها، بل سيجتهد في زيادتها؛ لعلمه أن في ذلك مزيد لذة، وأنس وسعادة، ونعيم قلبه.

وقد كان أكثر دعائه -صلى الله عليه وسلم- كما في الحديث عن أمِّ سلمة -رضي الله عنها- أنها قالت: كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: (يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ) قالَت: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ؟ قالَ: (يا أمَّ سلمةَ، إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ، ومن شاءَ أزاغَ)، فتلا معاذٌ: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) (آل عمران:8).

وفي قوله -تعالى-: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8)، قال ابن عثيمين -رحمه الله-: "وقوله: (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا): هذه الجملة لا يُراد بها الافتخار، وإنما يُراد بها التوسل بالنعم السابقة إلى النعم اللاحقة، فكأنهم يقولون: ربنا إنك مَنَنْت علينا بالهداية أولًا، فنسألك أن تمن علينا بثبوت هذه الهداية فلا تزغها".

وقوله: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)، قال السعدي -رحمه الله-: "أي: عظيمة، توفقنا بها للخيرات، وتعصمنا بها من المنكرات".

فسألوا ربهم الرحيم الودود ثباتًا على دينه، ورحمة يثبتهم بها، ويوفقهم بها لطاعته، ويعصمهم بها عن معصيته؛ لعلمهم أن الأمر كله بيده، وهو قريب مجيب.

فاللهم يا مقلِّبَ القلوبِ، ثبِّت قلوبنا على دينك.

وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.