أنواع الوفاء (2)

  • 176

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكلمنا في مقالانا السابق عن الوفاء وأهميته، وأنه خلق دعت له الشرائع واتفقت عليه كلمة الأنبياء، بل هو وصف لازم لمقام النبوة والرسالة، وهو وصف لأهل الفردوس من الجنان، ونأتي إلى أنواع الوفاء.

١- الوفاء مع الله.

٢- الوفاء مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

٣- الوفاء مع دين الإسلام.

٤- الوفاء مع سائر الناس.

فالنوع الأول: مع الله؛ فقد أسبغ الله عليك نعمه الظاهرة والباطنة، وأحسن إليك في خلقك ورزقك، وعافاك، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34)؛ فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!

عهود بينك وبين الله تحتاج الوفاء:

العبودية والتذلل والإخبات له، فقد أخذ عليك العهود في ذلك عهد وميثاق الظهر، وذلك حينما كنا في صلب أبينا آدم -عليه السلام-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (الأعراف:172)، وفطر الناس على معرفته وعبوديته (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم:30)، فما مِن مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما جاء في الصحيحين.

ثم بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين ليذكروا الناس بالعهد الأول، فمَن صدق الرسل وعبد الله فقد وفى بعهد الله وميثاقه، ومَن حاد عن الإيمان والعبودية فقد أخلف العهد مع الله في عبوديته، فالصلاة عهد، والزكاة والصيام والحج، وأصناف العبادة الظاهرة والباطنة عهد مع الله واجب الوفاء؛ بذل النفس والمال بجنة عرضها السماوات والأرض، عهد في صفقة غالية واجب الوفاء، فالعقد رهيب، والمشتري هو الله، والبائع هو المؤمن، والمبيع النفس والمال، والثمن جنة عرضها السماوات والأرض، والطريق إلى ذلك الجهاد في سبيل الله، والنهاية إما النصر أو الشهادة، ومَن أوفى بعهده من الله؟ الإجابة: لا أحد أوفى مِن الله، ومَن يغامر في هذه الصفقة هم (التائبون العابدون الحامدون السائحون، الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله)، هم مَن يقبلون على مثل هذه الصفقة؛ لأنهم علموا أن الدنيا لا تساوي شيئًا في ميزان الآخرة (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:64).

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كل ما أحل الله وما حرم الله، وما فرض الله في القرآن عهد لابد مِن الوفاء به".

فالالتزام بالدين وما جاء فيه عهد بين العباد وربهم لابد الوفاء به، فلا يسوف العبد ولا يؤخر حتى لا يكن خائنًا للأمانة، وقد قام أنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام- بحسن الوفاء مع الله -جل جلاله- وتقدمت أسماؤه، واصطفى الله مِن غيرهم مَن يقومون بذلك بعدهم في كل عصر ومصر، وأمثلة الصحابة كثيرة؛ فأبو بكر الصديق لما استخلف -رضي الله عنه- بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وارتد مَن ارتد مِن قبائل العرب، ومنع أناسٌ الزكاة وادَّعى آخرون النبوة وتابعهم ناس على ذلك؛ قام أبو بكر لمحاربة الجميع وفاءً لله في دينه، فراجعوه في مانعي الزكاة، فقال: "والله لاقاتلن مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة"، وقال كلمته: "أينقص دين الله وأنا حي!"؛ موقف ما يدل إلا على شدة الوفاء من الصديق لربه -عز وجل-.

الصحابي الجليل أنس بن النضر عم خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنس بن مالك، تغيب ذلك الصحابي عن غزوة بدر، فقال: "أول موقف بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أعدائه أتغيب عنه، لئن أراني الله موقفًا آخر ليرين ما أصنع"؛ وضع العهد وبقي الوفاء، وجاءت غزوة "أُحد" وانكشف الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحضر ذلك الصحابي، وتذكر عهده مع الله، وفي المعركة أشيع خبر مقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- فالتقى ذلك العملاق بعملاق آخر هو سعد بن معاذ سيد الأوس، فقال: "يا سعد إلى أين؟ فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قُتل، فقال له ابن النضر: يا سعد، ارجع فقاتل عما قاتل عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

فدخل ساحة المعركة والحال كما وصف الله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) (آل عمران:152)، فالقتل على أشده والمشركون متغطرسون؛ لأنهم قرب بهم المنال وما يطلبون، فدخل صاحب العهد ليوفي ما عاهد الله عليه، فدخل كالليث ولم يبالِ، فطعن بضع وثمانين طعنة بين ضربة سيف وطعنة رمح، وما عرفته إلا أخته الربيع بنت النضر مِن بنانه -أي: أصابعه-؛ ضاعت معالمه كلها، وفي شأنه وفي أمثاله أنزل الله -تعالى-: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب:23)، وحينما حكى سعد بن معاذ قصته، قال: "والله ما استطعت ما فعل أنس بن النضر".

وأمثلة كثيرة في حياة الصحب الكرام في وفاىهم مع الله -عز وجل-، فمَن وَفَّي مع سعدٍ في الدارين؛ في الدنيا بالسعادة والتوفيق، وفي الآخرة بالفوز بدار كرامته، ولذة النظر إلى وجهه الكريم -سبحانه وتعالى-.

ونستكمل أنواع الوفاء في المقال القادم -بإذن الله-.