لا تحزنوا على انقضاء رمضان

  • 213

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فكثير من الناس سواء مَن أحسن منهم العمل في رمضان، أو مَن ضيَّع أوقاته فيما لا ينفعه في آخرته أو دنياه، كثير منهم يحزنون لمضي رمضان؛ المحسن والمفرط؛ هذا كان يود لو بقي هنيهة يزداد في إحسانه، وذاك يقول: يا ليته ما مضى سريعًا؛ لعلي كنت أخذتُ من خيره شيئًا ولو يسيرًا!

وأقول لهذا وذاك: احمدوا الله الذي بلغكم رمضان، وأطال أعماركم حتى بعد رمضان، ورمضان شهر العبادة والطاعة نعم، لكن العبادة والطاعة لا تنقطع بانتهاء رمضان، فالصلاة في كل أيام الدنيا، ورب سجدة تسجدها لله خالصة يكون فيها خلاصك ونجاتك، أو خبيئة من عمل صالح يرفعك بها الله في درجات الجنان.

أيها الحبيب المحسن والمفرط: رمضان مضى، ورب رمضان باقٍ، وهو أمرك بطاعته وعبوديته في كل وقت، ووعدك على ذلك المثوبة والأجر، فإن كنت محسنًا فذلك خير، لكنه لا يدعوك للفخر به أو الخيلاء، أو أن تدل به على غيرك، فهو محض فضل من الله لك بتوفيقه، فاشكر ربك وسله الثبات، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن.

واعلم أن انكسار المذنب خير عند الله مِن صولة الطائع.

ويا أيها الخامل المقصر المفرط، ربك كريم ورحيم، وودود وشكور؛ فعلام تقنط أو تيأس وأبواب التوبة لا تغلق أبدًا ما دمت حيًّا تتنفس.

وقد علمت أن التائب من الذنب كمَن لا ذنب له، وربك من فضله عليك أمد في عمرك، وعمرك هو رأسمالك، ولحظات حياتك أثمن من أن تضيعها فى تفريط أو تركن فيها لوساوس الشيطان أو تدعوك نفسك لليأس والقنوط، فالمسلم لا يزداد من العمر إلا خيرًا إن كان محسنًا يزيد من إحسانه، وإن كان مسيئًا فلعله يرجع ويستعتب ويتوب؛ فأبشر فبتسبيحة يغرس الله لك بها نخلة في الجنة هي خير لك من الدنيا، وما فيها، ومَن قال: "سبحان الله وبحمده" في يوم مائة مرة غفرت ذنوبه وإن كانت كزبد البحر، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض.

فلنحمد الله أن جعل في أعمارنا بقية، ولنسأله -سبحانه-: أن يجعلنا ممَّن يحسنون فيما بقي حتى يغفر لنا ما مضى، فخير الناس مَن طال عمره وحسن عمله.

فاللهم بلغنا شهر رمضان سنين عديدة وأعوامًا مديدة في صحة وعافية، وحسن عمل، واختم بالصالحات أعمالنا، واجعلنا ممَّن قبلتهم على تقصيرهم في شهرك هذا، وممَّن أعتقت رقابهم من النار، فإنك سبحانك غفور رحيم، وإنك على كل شيء قدير.

والحمد لله رب العالمين.