القدس وشباب الأمة

  • 51

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن أكثر شيء يغار عليه المسلم هو دينه ومقدساته، فقد يكون بعض المسلمين مفرِّطًا في واجبات أو مرتكبًا لشيء من المحرمات، لكنه في ذات الوقت لا يقبل أبدًا بتدنيس شيء من مقدسات الإسلام، وهو دائمًا على استعداد لأن يبذل حتى روحه في سبيل ذلك.

والأحداث الأخيرة بالمسجد الأقصى كشفت -بصورة مذهلة-: أن هذه أمة الإسلام أمة حية لا تموت، قد تمرض وتغفل وتتوارى شيئًا، لكنها سرعان ما تتعافى وتنتبه، وتقف في وجه العدو شامخة!

ولا أدل على ذلك مِن: هذه الهَبَّة القوية في التفاعل والتعاطف، والاندفاعة من شباب العالم العربي والإسلامي.

نعم، لقد نجحت مخططات الصهيونية والعلمانية والماسونية إلى حدٍّ ما في إبعاد الشباب روحيًّا وعقليًّا عن قِيَم دينهم الحنيف حتى ظننا -كما ظن غيرنا-: أن هذا الشباب وهذه الأمة لا أمل فيها، وفجأة يحدث زلزال الأقصى واعتداءات اليهود على قِبْلة الإسلام الأولى: "القدس الشريف" مسرى النبي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وأرض النبوات، ويشاء الله أن يتمادى اليهود أكثر في غيهم كأنه الأمس في بني قينقاع أو قريظة والنضير، وما خيبر منهم ببعيدٍ! وكأنهم في تماديهم وعدوانهم وصلفهم هذا يوقظون ماردًا كان قد راح في سباتٍ.

وتفاجِئنا الأحداث والواقع بهبة شباب المسلمين الذين ظننا أنهم ضاعوا منا أو غرقوا في طوفان العولمة الجديد؛ فنسمعهم هنا يصرخون: افتحوا الحدود، وهنا يهرولون إلى المستشفيات يتبرعون بالدماء، وهنا يبذلون أموالهم لأجل إخوانهم في غزة وفلسطين، إلخ.

وفي كل بلاد الإسلام يتفاعلون، والمدهش في ذلك أن كثيرًا منهم يصبح وسيلة لنشر القضية وإبراز الوجه الحقيقي والقبيح للمحتل الغاشِم، وتنتشر الصور والأفلام، ويستذكر التاريخ الأسود للمحتلين وللصهيونية واليهود، وتتضح صور المعاناة والألم الذي يعيشه المواطن الفلسطيني "صاحب البيت والأرض" تحت القصف والتهجير، والتعذيب والإخلاء!

يا لروعة هذه الأمة وشبابها!

نعم أيها الشباب... أنتم قلبها النابض ودماؤها المتدفقة، ومستقبلها الواعد.

أنتم خطوتم خطوتكم الأولى في طريق طويل؛ طريق النصر، وعودة الأمة لمجدها، وهو طريق يحتاج مع هذه العواطف المحمودة والتفاعلات المبهرة المشكورة، إلى هبة أخرى نرفض بها أفكار الماسونية والصهيونية ومبادئ التغريب والعلمانية؛ هبة نقاوم بها فكر تقسيم مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وتخريب أوطاننا بأيدينا كما يسعى لذلك العدو الغاشم، هبة نعلي معها قيمنا العليا ومبادئ ديننا الحنيف، وأحكام شريعتنا الغراء وأخلاقنا السامية.

نعم يا شباب المسلمين في أنحاء الأرض، أنتم من يخشاكم العدو ويرتعد منكم فَرَقًا، وأكاد أجزم أن كثيرًا مِن اليهود اليوم يبكون في بيوتهم كالنساء، يبكون ضياع حلمهم المزعوم، وقد أدركوا بسببكم أن وجودهم على هذه الأرض لن يطول، بل ربما كان كثير منهم الآن يحزم حقائبه ليعود إلى البلد التي جاء منها لبلادنا وأرضنا فلسطين.

نعم، أنتم أيها الشباب أمل هذه الأمة المنشود، ومستقبلها الوضيء المشرق، فقط مع عودة الروح هذه نحتاج لعودة الوعي بقضايانا المصيرية، والتي ننتصر بها على عدونا نصرًا مؤزرًا، وهزيمة للعدو منكرة.

نحتاج إلى: العودة إلى قضايا إيماننا وتوحيدنا، وتوثيق صلتنا بالله خالقنا القوي القاهر فوق عباده الذي لا يعجزه شيء.

نحتاج إلى: الوعي بضرورة العودة للأخلاق القويمة، والسلوكيات المستقيمة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

نحتاج إلى: الوعي بأهمية إقامة العبادات لله -تعالى-، والمحافظة عليها.

وفي الجملة: نحتاج عودة جماعية وحقيقية لديننا الحنيف.

عندها يا شباب... لن تستطيع قوة المحتل الغشوم أن تقف أمامكم، ولا أن تصمد لساعات مهما بلغت هذه القوة، وعندها تدخلون الأرض المقدسة، وتطئون أعداءَ الله تحت أقدامكم، حاملين أكاليل النصر، وأغصان الزيتون.

فَتَحِيَّة من القلب لكلِّ شاب قام لنصرة الحق والدفاع عن المظلومين في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وكل العالم.