ولا تهنوا ولا تحزنوا

  • 74

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -سبحانه وبحمده-: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:139-142).

فقد نهانا ربنا -سبحانه وبحمده- عن الحزن والضعف المُقعد، المجلب لليأس والإحباط، ودعانا للتعزز والترفع والاستقواء بنعمة ربنا علينا بالإيمان، فبِقَدْر ما عندنا من تحقيق الإيمان عِلْمًا وعملًا؛ ظاهرًا وباطنًا، تصديقًا واتباعًا بقدْر ما يحصل لنا مِن العلو والنصرة، والكفاية والتأييد من الله -تعالى-، والضد بالضد، وإذا نقص إيماننا نقص كل ذلك بقدْر نقصانه، فالحكم المتعلق بالشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصه.

ونحن ولا شك نتألم وتعتصر قلوبنا غيظًا على ما يحصل لإخواننا؛ ليس في فلسطين وغزة وحسب، بل وفي سوريا وبورما، وغيرهم، لكن المؤمن دائمًا يستحضر أولًا: أن الأمر كله بيد ربه العزيز الرحيم وحده، وهو -سبحانه- غالب على أمره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه -سبحانه- الذي يداول هذه الأيام، ويجعل الغلبة لأوليائه مرة ولأعدائه مرة، وإن كانت بفضل الله -تعالى- العاقبة في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال -سبحانه وبحمده-: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51).

وأن الجميع يتألم ويصيبه الجرح والقتل، نحن وعدونا، لكن نحن -بفضل الله- نرجو من الله الثواب والنصر والتأييد، وذلك أدعى للصبر والثبات؛ بخلاف عدونا، وأن كل ما يصيبنا هو مما كتبه لنا ربنا الرحيم ولصالحنا؛ فهو مولانا وسيدنا، ومتولي أمورنا ومصلحها، فلا يقدِّر لنا إلا ما فيه نفعنا في دنيانا وأخرانا، قال الله -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51).

وقد يقدِّر الله -كما ذكرنا- لأعدائه بعض الغلبة أحيانًا؛ وذلك لأنه -سبحانه- أحكم الحاكمين، كما بيَّن في هذه الآيات وغيرها، فهو -سبحانه- قدًر أن تكون هذه الحياة الدنيا دار بلاء وامتحان، لا يظهر المؤمن من المنافق إلا عند نزول البلاء، فأما قبل ذلك فالناس سواسية.

وكذا حصول الشهادة لبعض أوليائه، وهذه المنقبة العظيمة والفضل الجسيم، والتي هي في الحقيقة اجتباء لهؤلاء الشهداء بهذا الشرف والنعمة العظيمة التي لا تحصل إلا بقتلهم في سبيله على أيدي أعدائه، فالله -سبحانه- حتى في بلائه رحيم كريم على عباده، فله الحمد.

وبيَّن -سبحانه- في ثنايا الآيات: أنه لا يحب الظالمين؛ حتى لا يظن ظان أنه أظهرهم على عباده محبة لهم، بل هو يبغضهم -سبحانه-، وفي الإتيان بصفة الظلم إشارة -والله أعلم- إلى هلاكهم وخسرانهم، فسنته -سبحانه- أنه يهلك الظالمين ويمحقهم، وإن أخَّر ذلك عنهم بعض الوقت -كما ذكرنا-؛ فتنة وامتحانًا لعباده المؤمنين.

وكذا ليمحصهم وينقيهم من ذنوبهم بهذا البلاء، وبأن يعلموا أنه ما حصل من تسليط عدوهم عليهم هو بذنوبهم، وهذه أيضًا سنة؛ أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، وهذا من أعظم المنح فيعود المسلمون إلى ربهم ويستغفرونه ويتوبون إليه معترفين بتقصيرهم وتفريطهم، سائلين ربهم القريب المجيب العفو والصفح والنصرة، فيحصل لهم ذلك -بإذن الله-، ويمحق الله الكافرين ويهلكهم أيضًا بكفرهم وببغيهم، فهو سبحانه العزيز الحكيم.

ثم أخبر -سبحانه وتعالى- أن الجنة غالية، ولا يصل العبد إليها إلا على جسرٍ مِن الصبر والمجاهدة، والبذل في سبيل الله؛ ليوطِّن المؤمنون أنفسهم على ذلك، فلا تضطرب ولا تهتز، ولا تشك عند نزول البلاء، بل تسكن وترضى، وتعمل لتحصل هذا الفضل العظيم الذي يزول فيه كل تعب ونصب، ويبقى النعيم المقيم.

فأبشروا عباد الله واصبروا، وأكثروا من الدعاء والتوبة والاستغفار، فما حلَّ بنا ذلك إلا بذنوبنا، وغيِّروا من أنفسكم إلى ما يحبه الله حتى يغير الله -تعالى- ما بنا إلى عز وشرف الدنيا والآخرة، فهو مولانا، والكافرين لا مولى لهم، والعاقبة للمتقين.

فاللهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.