• الرئيسية
  • المقالات
  • معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (10) (موعظة الأسبوع) معجزاته -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة بمداواة المرضى

معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (10) (موعظة الأسبوع) معجزاته -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة بمداواة المرضى

  • 129

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

مقدمة: الله هو الشافي:

- شفاء المرضى على يد الأنبياء كان بإذن من الشافي الحقيقي، وهو الله الذي لا يكشف الضر إلا هو: قال -تعالى-: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 107)، وفي رقية النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لاَ شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا) (رواه البخاري). وذكر -تبارك -تعالى- من قِيل إبراهيم -عليه السلام-: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 80).

- وأما الأطباء: فهم سبب يجري الله على أيديهم بالأسباب المشروعة الظاهرة للشفاء ما يشاء، فاذا انعدمت الأسباب انعدم أثر الطبيب؛ ففي حديث أبي رِمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك -كأنه يريد أن ينظر إلى خاتم النبوة-، فإني رجل طبيب، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُ الطَّبِيبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ، طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقيل لأبي بكر الصديق في مرضه: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: "لقد رآني الطبيب"، قالوا: فأي شيء قال؟ قال: "إنه فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ" (حلية الأولياء).

- وأما معجزات الأنبياء المتعلقة بشفاء المرضى، فهي تزيد على عمل الأطباء بأنها من غير أسباب مادية معتادة -مادة التداوي وزمن التداوي-؛ ولذلك عدت من المعجزات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  (مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ اُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ) (متفق عليه).

صور من معجزاته -صلى الله عليه وسلم- المتعلقة بمداواة المرضى:

(1) مداواته -صلى الله عليه وسلم- ساق عبد الله بن عتيك المكسورة بمسحها بيده:

- المسح باليد ليس من أسباب الطب المعتادة لمداواة كسر العظام، ولكن الله يجعل ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- خرقًا للعادة، مِن باب إقامة الحجة على المكذبين، والتثبيت للمتبعين، كما حصل مع الصحابي عبد الله بن عتيك -رضي الله عنه- حينما أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- لقتل أبي رافع اليهودي، فانكسرت ساقه أثناء تلك المهمّة، فعن البراء قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى أَبِي رَافِعٍ اليَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ، وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ، لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ البَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ البَوَّابُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ البَابَ، فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ البَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا، فَفَتَحْتُ البَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلاَلِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، قُلْتُ: إِنِ القَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لاَ أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ البَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لِأُمِّكَ الوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي البَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظِبَةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَبْوَابَ بَابًا بَابًا، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي، وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى البَابِ، فَقُلْتُ: لاَ أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ: أَقَتَلْتُهُ؟ فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الحِجَازِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: النَّجَاءَ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: (ابْسُطْ رِجْلَكَ) فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. (رواه البخاري).

(2) مداواته -صلى الله عليه وسلم- عين علي بن أبي طالب مِن الرَّمد ببصاقه:

- البصاق ليس مِن أسباب الطب المعتادة لمداواة العين من الرمد، ولكن الله يجعل ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ خرقًا للعادة مِن باب إقامة الحجة على المكذبين، والتثبيت للمتبعين كما كان منه -صلى الله عليه وسلم- لعلي -رضي الله عنه- يوم فتح خيبر، فعن سهل بن سعد الساعدي: أنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قالَ يَومَ خَيْبَرَ: (لَأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ علَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ) قالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا علَى رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كُلُّهُمْ يَرْجُو أنْ يُعْطَاهَا، فَقالَ: (أيْنَ عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ). فقِيلَ: هو يا رَسولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قالَ: (فأرْسَلُوا إلَيْهِ). فَأُتِيَ به فَبَصَقَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- في عَيْنَيْهِ ودَعَا له، فَبَرَأَ حتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ به وجَعٌ! (رواه البخاري).

(3) مداواته -صلى الله عليه وسلم- ساق سلمة بن الأكوع المجروحة بنفثه:

- النفث ليس من أسباب الطب المعتادة لمداواة الجروح؛ لا سيما العميقة، ولكن الله يجعل ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- خرقًا للعادة، من باب إقامة الحجة على المكذبين، والتثبيت للمتبعين، كما حدث مع سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- حيث التأم جرحه في الحال، ولم يكن له آثار تعاوده كعادة الجروح في البرد والحر: فعن يزيد بن أبي عبيد قال: "رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ، مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَفَثَ فِيهِ ثَلاَثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةِ!" (رواه البخاري)(1).

خاتمة:

- اذا كانت فاتتنا معجزاته -صلى الله عليه وسلم- في مداواة أمراضنا، فقد بقيت لنا كلماته المباركة التي كان يعلِّمها أصحابه في مداواة قلوبنا وأبداننا، وهو باب كبير، عن عثمان بن العاص: أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا.

وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قد يرد: لماذا لم يفعل ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- مع كل أصحابه، لا سيما سعد بن معاذ -رضي الله عنه- سيد الأنصار؟

والجواب: أن الأصل أن تجري الأمور على عادة الحياة وسننها، وإلا قال الناس بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-: نحن معذورون في ترك التكاليف، فليس عندنا من المعجزات النبوية ما كان عند الصحابة! وأما سعد -رضي الله عنه- فقد أراد الله له نيل الأجر العظيم بوفاته متأثرًا بجرحه الذي أصيبه يوم الخندق.