دواء جميل نافع!

  • 114

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحقًّا إن النعيم والراحة والطمأنينة في الجنة؛ أما الدنيا فآدم -عليه السلام- نزلها عقوبة ليشقى؛ لذلك تجد معظم فئات المجتمع تعيش في قلق وحيرة، بل وشقاء، وهذا عام في جميع الأعمار؛ من الكبار والشباب والصغار والرجال والنساء، والغني والفقير، والمريض والصحيح، العامل والموظف، الوزير والغفير؛ الكل يبحث عن حلول، وأمامهم الخير الكثير، لكن الغفلة والانشغال بالدنيا والشهوات استحكمت عليهم جميعًا إلا مَن رحم الله -تعالى-.

وقد وقع ذلك لرجلٍ في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ رَسُولُ -صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: (يَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟)، قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟)، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ، قَالَ: (قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي. (رواه أبو داود، وحسنه الحافظ ابن حجر).

فأين أصحاب الهم والدَّين والحزن مِن هذا الدواء النافع -بإذن الله-؟!

ففي هذه الكلمات النبوية زوال الهموم والأحزان، وقضاء الديون -بإذن الله-، مع اليقين والصدق والإخلاص؛ لأنه استعاذ بالله مالك الملك، ومدبر شئون الكون -سبحانه وتعالى-.

وكان -صلى الله عليه وسلم- يكثر مِن هذه الكلمات كما في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أخْدُمُ رَسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- كُلَّما نَزَلَ، فَكُنْتُ أسْمَعُهُ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ، وغَلَبَةِ الرِّجَالِ) (متفق عليه).

فاستعاذ من الهم والحزن؛ لما فيهما مِن شدة الضرر على البدن، وإذابة قواه، وتشويش الفكر والعقل، والانشغال بهما يفوِّتان على العبد الكثير من الخير، وانشغال الفؤاد والنفس عن الطاعات والواجبات، هذا إن كان الهمّ والحزن في أمور الدنيا، أما همّ الآخرة، فهو محمود؛ لأنه يزيد في الطاعة، ويبعث النفس على الجدّ، والعمل، والمراقبة.

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا) قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: (بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

أيضًا في هذا الحديث دواء نافع في زوال الهم وجلاء الحزن؛ ففيه اعتراف بالعبودية لله -تعالى-، والمسلم عريق في العبودية أبًا عن جدٍّ، يعترف أنه عبد لله، أموره كلها بيد الله، راضٍ بقضاء الله وحكمة، يسأل الله -تعالى- بكل اسم سمَّى به نفسه أو سمَّاه به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تعطيل، إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، مقر لله بكل الأسماء والصفات وكلها حسنى، ومعترف بأن الله له أسماء سمَّى بها نفسه استأثر بها في علم الغيب، لا نكلِّف أنفسنا بالبحث عنها تسليمًا لله، ومعترف بما علمنا من أسمائه أو علمنا إياها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مقر بأن القرآن ربيع القلوب ونور الصدور، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، نسأل الله أن يثبتنا عليه، وأن يميتنا عليه، وأن يرزقنا الجنة.