المهام الكبار والنفوس الكبار

  • 248

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

أتذكر طرفًا من قصة سيدنا موسى -عليه السلام-، فلا أزداد إلا عجبًا وإعجابًا، (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص: 16)، وبعد ذلك خرج منها خائفًا يترقب.

خرج من مصر في رحلة شاقة وبعيدة في عمق هذا الزمن الموحش، يقطع صحراء مصر الشرقية ومنها إلى صحراء سيناء بكاملها حتى يصل إلى بلاد مدين، وهناك أمن خوفه: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:25)، لكن قبل هذا وكأني أراه مشاهدًا أمامي: ماذا كان مع موسى أثناء رحلته؟ ماذا كان يلبس؟ وماذا كان يحمل معه من متاع أو زاد أو ماء؟

 كيف سار في هذا الليل البهيم الموحش في هذه الصحراء الشاسعة؟

أين كان يستظل من حرارة الشمس؟

وكيف كان شعوره عندما يجد نفسه وحيدًا؛ الأرض فراشه والسماء لحافه؟!

وبسرعة يقفز إلى ذهني أن موسى -عليه السلام- وإن لم يكن يحمل من متاع الدنيا ولا شيء؛ إلا أنه كان يحمل في صدره قلبًا قويًّا، أي قلب كان قلب -موسى عليه السلام-! إنه قلب مليء بالإيمان والثقة، والتوكيل واليقين، قلب تعلق بالقوي الكبير، وبالخالق العظيم.

هذا القلب هو الذي أوصل موسى إلى وجهته ودله على طريقه وأرشده إلى الناحية الأوفق له؛ ولذلك وجد موسى -عليه السلام- أمنه وأمانه.

وبعد عشر سنين من هذه الرحلة المضنية التي سار فيها موسى وحده، يعود ليمشي فيها مرة أخرى، لكنه هذه المرة يحمل مسؤولية أخرى، فمعه امرأته زوجه في رحلة العودة من أرض مدين إلى مصر مرة أخرى معه زوجه، وبضع غنمات، ليسيرا معًا هذه المسافات الطويلة المخيفة والموحشة لتكون هذه التجارب كلها تدريبًا لنفسٍ وقلبٍ سوف يحمل عبئًا ضخمًا ومسؤولية عظمى؛ إنها مسؤولية بعث أمة من جديد.

مسؤولية بني إسرائيل الذين ابتعدوا عن الطريق كثيرًا، بل ودعوة فرعون مصر لأن يدخل في الإيمان ويتخلى عما هو فيه من طغيان النفس بالباطل، وادعاء ما ليس له من الألوهية والربوبية الكاذبة، ويا لها من مهام كبيرة تحتاج لقلبٍ كبيرٍ، ونفسٍ كبيرةٍ.

وكان هذا القلب الذي يتحمل قلب موسى -عليه السلام-.

فلما آنس من جانب الطور نارًا: (فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) (طه:10)، وكما توقع وجد على النار هدى، لكنه ليس فقط هدى الطريق الذي يوصله إلى الأرض، وإنما هدى الطريق الذي يوصله بالسماء، بالله الخالق العظيم، (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء:164).

وبدأت رحلة أخرى في حياة موسى، رحلة هدفها بعث القلوب التي ماتت بالبعد والعناد، رحلة لإنقاذ البشر مما هم فيه؛ إنها رحلة أصعب وأشق من الرحلة الأولى نحو مدين، وأصعب وأشق من رحلة العودة من مدين.

ونحن في طريق حياتنا لابد لنا من رحلات نتحمل فيها بعض مشقات الطريق، طريق الحياة وهذه المشقات كثيرة، مشقات ضغط الحياة المادية وحاجات النفوس، ومشقات مقاومة الشهوات المستفحلة والمتكاثرة، والتي أصبحت بكل فجٍّ وطريق، ومشقات الأفكار المنحرفة والأهواء الضالة، والآراء العفنة.

نحتاج لقلوبٍ ملئها الإيمان واليقين، والتوكل والمحبة، والخوف والرجاء حتى نستطيع مقاومة كل هذه الأعباء الجسام والمسؤوليات العظام، وعلى قدر تحمل القلوب تكون المهام، فالمهام الكبار للنفوس الكبار، وليس أجل وأكرم من مهام السير في طريق الله وهداية الناس إليه.

فاللهم ردنا والمسلمين إلى دينك ردًّا جميلًا، وصلِّ اللهم وسلم على عبدك ونبيك محمدٍ، والحمد لله رب العالمين.