• الرئيسية
  • المقالات
  • وقفات مع آيات (1) قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا) (موعظة الأسبوع)

وقفات مع آيات (1) قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا) (موعظة الأسبوع)

  • 110

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

موضوع الآية:‏

- بيان شدة عداوة اليهود لأهل الإسلام، وبيان عظيم استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.‏

مقدمة:‏

- التذكير بفضل مدارسة وتدبر آيات القرآن: قال -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ‏‏(ص:29).‏

- ومن حكمة الله -تعالى-: أنه أنزل كثيرًا من الآيات عقب وقائع وحوادث في حياة مَن نزل عليهم القرآن، ليكون ذلك أبلغ ‏في نفوسهم، وسببًا لزيادة إيمانهم، وإيمان مَن بعدهم، قال -تعالى-: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ ‏تَنزِيلًا) (الإسراء:106). وقال الواحدي: "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها" ‏‏(الإتقان للسيوطي).‏

- آية اليوم وقصتها(1):

- قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:104).‏

قال الواحدي في أسباب النزول: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعتهم ‏اليهود يقولونها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أعجبهم ذلك، وكان راعنا في كلام اليهود، السب القبيح، فقالوا: إنا كنا نسب محمدًا سرًّا، ‏فالآن أعلنوا السب لمحمدٍ؛ لأنه من كلامهم، فكانوا يأتون نبي الله ‏-صلى الله عليه وسلم-،‏ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون! ففطن بها ‏رجل من الأنصار، وهو سعد بن عبادة، وكان عارفًا بلغة اليهود، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد ‏بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها له؟ فأنزل الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا ‏رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)(2) الآية.‏

وقفات حول الآية:

‏(1)‏ شدة عداوة اليهود وسائر الكفار للمسلمين:‏

- ففي قصة النزول ما يشير إلى ذلك؛ فهم يستغلون كل فرصة للإساءة للإسلام، والإضرار بأهله؛ وذلك لشدة عداوتهم ‏لهم: قال -تعالى-: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران:118)، وقال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120)، وقال: (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ‏أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة:105).‏

- ومقتضى ذلك تحريم محبتهم ومودتهم وموالاتهم: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ ‏إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ) (الممتحنة:1)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).‏

‏(2)‏ حرمة التشبه بالكفار:‏

‏-‏ لقد نهي المؤمنون عن كلمة "راعنا" وهي مباحة في أصلها(3)، لما استعملها الكفار في الإساءة إلى الإسلام ‏ورسوله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: قال ابن كثير -رحمه الله- بعد تعليقه على الآية: "ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في ‏أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نقر عليها".‏ وقال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).‏

- الإسلام يرسِّخ لهذه العقيدة بوسائل شتى:

1-‏ في العبادات: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلا خِفَافِهِمْ) (رواه أبو داود، ‏وصححه الألباني).‏

‏2- في السلوك والآداب الاجتماعية: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (لا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ ‏بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).‏

‏3-‏ في الهيئة والصورة والسمت: قال: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى) (متفق عليه)، ودخل ‏على أنس بن مالك -رضي الله عنه- ناس ومعهم غلام له قرنان أو قصتان، فمسح برأسه وبرَّك عليه، وقال: "احْلِقُوا ‏هَذَيْنِ أَوْ قُصُّوهُمَا فَإِنَّ هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ" (رواه أبو داود، وضعفه الألباني)، وبعث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى قائد ‏وأمير المسلمين في أذربيجان (عتبة بن فرقد): " ... فأشْبِعِ المُسْلِمِينَ في رِحَالِهِمْ ممَّا تَشْبَعُ منه في رَحْلِكَ، وإيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، ‏وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ... " (رواه مسلم).‏

‏4-‏ في نعتهم وكلامهم: قال عمر -رضي الله عنه-: "لا تَعَلَّمُوا رَطَانَةَ الأَعَاجِمِ" (رواه البيهقي بإسناد ‏صحيحٍ)(4).‏

‏(3)‏ عظيم استجابة الصحابة -رضي الله عنهم-:‏

‏-‏ امتناع أصحاب النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ عن قول: "رَاعِنَا"؛ امتثالاً لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا يجب أن يكون المؤمنين:‏ (إِنَّمَا ‏كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور:51).‏

- صور من استجابتهم:‏

-‏ عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- يصلي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ‏ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- صلاته، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ) قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، ‏فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (إِنَّ جِبْرِيلَ -عليه السلام- أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).‏

‏-‏ عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: "أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ ‏يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله، أَنِ اكْفَئُوا الْقُدُورَ، وَلَا ‏تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا" (متفق عليه)(5).‏

- خاتمة:‏

- تذكير بالآية، وقصة النزول، والإشارة إلى الفوائد باختصارٍ شديدٍ.‏

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)‏ هذه الآية نزلت في حادثة، وتعلَّقت بها قصة نزلت على أثرها.‏

‏(2)‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "نَهَى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص... فإذا أرادوا ‏أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: رَاعِنَا، يورون بالرعونة، كما قال -تعالى-:  (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا ‏بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) (النساء:46)، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سمعوا إنما يقولون: "السام عليكم"، والسام هو: الموت؛ ولهذا أمرنا أن ‏نرد عليهم بـ(وعليكم)" (تفسير ابن كثير).‏

(3)‏ راعنا: معناها، راعنا سمعك، فافهم عنا وأفهمنا، فأمروا بانظرنا: أي: أنظر إلينا وتعهدنا.‏

(4)‏ المقصود بذلك: اعتياد الخطاب بغير العربية حتى يصير ذلك عادة للبلد وأهله، مثل ما حدث في بعض البلاد العربية: كالجزائر، وتونس، والمغرب. والخلاصة: أن أهل ‏الكتاب وملل الكفر تبغض الإسلام ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، فكان من الواجب علينا البراءة منهم، (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ ‏خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة:105).

‏(5)‏ ولذا؛ فما تظنون بهذه النفوس إذا أُمِرَت بما هو أدنى من ذلك؟! وهم الذين أُمِروا ببذل النفوس والأرواح والأموال وترك الديار، ففعلوا.‏

rl(null,true)])