التفريط في القراريط!

  • 59

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما الذي يحدث في صفوف الملتزمين الذين آلوا أن يسيروا على منهج ربهم ولا يحيدون عنه؟

ما هذا الاستهتار بمشاعر الآخرين وأحزانهم؟!

‏-‏ لقد فُقدت هذه القاعدة في تعاملنا إلا ما رحم ربي؛ قاعدة المبادلة: (أن تتعامل مع الناس من جنس ما تحب أن يعاملك الناس)؛ بمعنى ‏أن نتعامل بمبدأ مبادلة المقاعد، فأضع نفسي مكانك وتضع نفسك مكاني، والذي تحب أن يُصنع معك لو كنت في هذا الموقف الذي أنا ‏فيه.

وكلنا يعلم قصة الشاب الذي جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليُرخِّص له في الزنا، وكيف عالج النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الموقف، ‏فكان تطبيقًا عمليًّا لهذه القاعدة: (قاعدة المبادلة)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا لشاب لما جاءه وقال له: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ: (ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا). قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: (أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟) قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟) قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟) قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟) قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟) قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ). قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ) فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ. (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وأقول باختصار: ‏لقد ضاع الوفاء؛ فأين نحن من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ حُسْنَ العَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ) (رواه الحاكم، وحسنه الألباني).‏

وأين نحن من التطبيق العملي لهذه المعاني النورانية التي تضيء لنا الطريق وتضيء لنا الحياة؟!

أما سمعنا ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه)، ولكن واقعنا يقول لقد فُرق الجسد حتى أصبحنا أعضاء ممزقة متفرقة، وما كان ذلك إلا لإهمالنا واستهانتنا واستهتارنا بهذه الوصايا الربانية، ‏وكأن زمنها ولَّى وأدبر.‏

‏-‏ التواصل الاجتماعي والتلاحم المجتمعي:

لقد سبق الإسلام هذه الشبكات (شبكات التواصل الاجتماعي)، بل قُلْ عنها: (شبكات قطع العلاقات الاجتماعية)؛ لأننا قصرناها عبر ‏الهواء، فضاع معها التلاقي بالأبدان، واستمع إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (حَقُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، ‏وعِيَادَةُ المَرِيضِ، واتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وتَشْمِيتُ العَاطِسِ) (متفق عليه).‏

كلها تتكلم عن التواصل الحقيقي تواصلات بدنية وجسدية.‏

كم فرَّطنا في حق أنفسنا قبل تفريطنا في حق إخواننا!

انظر إلى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: لما وصل إلى مسمعه ما حدَّث به أبو ‏هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَن شَهِدَ الجَنازَةَ حتَّى يُصَلِّيَ، فَلَهُ قِيراطٌ، ومَن شَهِدَ حتَّى تُدْفَنَ كانَ له ‏قِيراطانِ) قيلَ: وما القِيراطانِ؟ قالَ: (مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ) (متفق عليه)؛ "بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلَهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ" (متفق عليه)، وكان في يده -رضي الله عنه- حصوات، فضرب بها الأرض تأسفًا وتندمًا على ضياع هذا الأجر والثواب منه.‏

وكان عذره أنه ما كان يعلم، فما أضاع ابن عمر -رضي الله عنهما- هذا الثواب قاصدًا وعامدًا؛ فما بال الذي يعلم وأضاع ذلك زاهدًا في الأجر والثواب، وزاهدًا فيما عند ربه؟!

-‏ ماذا نقول له؟‏!

‏-‏ وماذا نقول في حقه؟!