أعظم ادِّخار!

  • 42

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالناس يجتهدون في حال شبابهم أن يدَّخِروا لأنفسهم ولأبنائهم مالًا أو عقاراتٍ أو أراضٍ، وغيرها؛ وذلك ليتمتعوا بها وليستغنوا بها عن السؤال حال كبرهم وضعفهم، وهذا أمر لا حرج فيه، بل هذا أمر حسن طالما أنه لن يؤثِّر على حال العبد بربه وآخرته، وكان ذلك مِن طريقٍ حلالٍ، وأدَّى العبد حق الله فيه مِن زكاةٍ وغيره.

ولكن هناك ادخار أعظم وأدوم هو كنز الباقيات الصالحات؛ أن يجتهد في عمل الصالحات مِن: صلاة، وصيام، وصدقة، وصلة رحم، وغير ذلك من صور المعروف، فيجري له أجر  ذلك كله -بإذن الله-، ولو كان على فراشه لسنواتٍ عديدةٍ، كما في الحديث الذي رواه البخاري -رحمه الله- في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)، وهذا من عظيم كرم وَجُود الله -تعالى- الكريم المنان -سبحانه وبحمده- تشجيعًا لعباده على الإكثار من الصالحات، وجبرًا لكسرهم الحاصل من الضعف والعجز؛ فهو سبحانه الجبار الرحيم.

ولربما أيضًا يجري له من الأجر حتى بعد موته مِن الهدى الذي دعا إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بلغه، والعلم الذي نشره.

وهذا شخص آخر في نفس عمره: ليس عنده ما عند أخيه من هذه الأجور العظيمة؛ لربما عنده لكنه قليل بالمقارنة بأخيه فضلًا عمَّن يكتب عليه أوزار وسيئات لم يتب منها، ودعا إليها، ولم يمنعه مِن أدائها إلا مرضه أو تعبه، والله يعلم أنه لو قَدَر عليها لفعلها، أو ضلالة دعا إليها، فيكون عليه مِن  أوزار مَن عملها حتى بعد موته، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا).

فهذه دعوة عباد الله لنا: أن نكثر مِن عمل الصالحات بقدر استطاعتنا من غير غلو ولا إفراط، والدعوة إليها، حتى الكبير يكثر أيضًا من الصالحات بما يستطيعه؛ فلربما ازداد عمره أو مرض فعجز عمَّا كان يفعله مِن الصالحات.

ودعوة لأهل الذنوب والتفريط: أن يتوبوا إلى الله ويدَّخِروا لأنفسهم ما ينفعها في دنياها ومعادها؛ وإلا فالحسرة كبيرة. نسأل الله العافية.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.