عاجل

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (28)

  • 90

قصة بناء الكعبة (26)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:130-133).

تُبين هذه الآيات حقيقة الدِّين الإبراهيمي والملة الإبراهيمية؛ الذي هو نفسه دين ابنيه إسماعيل وإسحاق -عليهما السلام-، ودين ابن ابنه يعقوب -الذي هو إسرائيل عليه السلام-؛ الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل وكل اليهود في العالم، وسموا دولتهم باسمه تلبيسًا على العالم وتزويرًا أنهم أتباعه ونسله، وذلك أنهم ليسوا على ملته وليسوا على دينه؛ إذ إن دينه هو التوحيد والاستسلام لأمر الله وشرعه، كما دلت عليه هذه الآيات، وهذا مُستلزِم للإيمان بكل الرسل -صلى الله عليهم وسلم أجمعين-؛ خاصة خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، والإيمان بما أنزل اللهُ إليه من القرآن والحكمة، فمَن كفر به وكذَّب القرآن فقد كفر بدين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ودين جميع الأنبياء وتبرأ منهم، وهم جميعًا منه أبرياء.

 وقد مَنَّ الله على أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان بجميع الأنبياء ومحبتهم وتوليهم، فيا أيها المسلمون لا تكفروا بنعمة الله عليكم ومِنَّته العظيمة لديكم، بالاستجابة إلى دعاة مساواة الأديان، فتجعلون المسلمين كالمجرمين، قال الله -تعالى-: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم: 34-36).

أتجعلون مَن كذَّب نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، وكتابكم القرآن العظيم كمَن آمن بهما؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.

كيف وقد جمع اليهود إلى ذلك التكذيب بعيسى -صلى الله عليه وسلم-، وقولهم على مريم البهتان العظيم؟!

قال الله -تعالى-: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا . وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء:155-156).

فكيف تتخذون هؤلاء وأمثالهم أولياءً وأحبابًا وأنصارًا؟!

ألا تحبون ربكم وتوحدونه؟!

ألا تحبون الأنبياء الذين كَفَر اليهود بهم جميعًا؟! فانتبهوا يا أولي الألباب.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات: "يقول -تبارك وتعالى- ردًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه مِن الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جرَّد توحيد ربه -تبارك وتعالى- فلم يدعُ معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ مِن كلِ معبودٍ سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه، فقال: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 78-79)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) (الزخرف:26-27)، وقال -تعالى-: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة:114)، وقال -تعالى-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (النحل:120-122)؛ ولهذا وأمثاله قال -تعالى-: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) (البقرة:130)، أي: ظلم نفسه بسفهه، وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق مَن اصْطُفِي في الدنيا للهداية والرشاد، مِن حداثة سنه إلى أن اتخذه اللهُ خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء؛ فمَن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته، واتبع طرق الضلالة والغي؛ فأي سَفَهٍ أعظم من هذا؟! أم أي ظلم أكبر من هذا؟! كما قال -تعالى-: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13).

قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود؛ أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه. ويشهد لصحة هذا القول قولُ الله -تعالى-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:67-68).

وقوله -تعالى-: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا.

وقوله: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله، أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصَّوْا أبناءهم بها مِن بعدهم كقوله -تعالى-: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) (الزخرف:28)، وقد قرأ بعض السلف (وَيَعْقُوبُ) بالنصب عطفًا على بنيه، كأن إبراهيم وَصَّى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، وقد ادَّعى القشيري -فيما حكاه القرطبي عنه-: أن يعقوب إنما وُلد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليلٍ صحيحٍ. والظاهر -والله أعلم-: أن إسحاق وُلِد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود:71)، وقد قُرئ بنصب (يَعْقُوبَ) هاهنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره مِن بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله -تعالى- في سورة العنكبوت: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) (العنكبوت:27)، وقال في الآية الأخرى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) (الأنبياء:72)، وهذا يقتضي أنه وُجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر: قُلْتُ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ). قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى). قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً).

فزعم ابن حبان أن بين سليمان -الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس، وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه- وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أُنكر على ابن حبان (قلتُ: يعني: زعم ابن حبان أن المدة بين سليمان وإبراهيم أربعون سنة! وهذا باطل بلا شك)، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين، والله أعلم.

وأيضًا: فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة المُوصَين.

وقوله: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويُبعث على ما مات عليه.

 وقد أجرى الله الكريم عادته بأن مَن قصد الخير وُفق له ويُسر عليه، ومَن نوى صالحًا ثُبِّت عليه، وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ)؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: (إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ فِيما يَبْدُو لِلنّاسِ... وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أهْلِ النّارِ، فِيما يَبْدُو لِلنّاسِ... ) (متفق عليه)، وقد قال الله -تعالى-: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل:5-10) (انتهى من تفسير ابن كثير).

وأما جواب ابن كثير -رحمه الله- عن حديث: (إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النّارِ... ) إلخ، بأنه: (فِيما يَبْدُو لِلنّاسِ) فهذا ليس بصحيح؛ لأنه ليس هناك في عمل أهل النار ما يكون صالحًا في الباطن، ومِن عمل أهل النار في الظاهر؛ ولذلك لا يُسمَّى ما عمله الإنسان رياءً وسمعةً مِن عمل أهل الجنة، ولا يقرِّبه ذلك إلى الجنة؛ بل يقربه إلى النار، والحديث إنما ذكر أنه يقربه عمله إلى الجنة وهو مِن أعمال أهل الجنة، ولكن هذا الحديث معناه: عدم الوثوق بالخواتيم؛ لأن الله -عز وجل- جعل الأعمالَ بالخواتيم، وجعل وجود قلة من الناس كانوا على الخير والهدى ثم تبدَّل حالهم وحصل لهم الحَوْر -أي: الفساد- بعد الكَوْر -أي: الصلاح-، كما استعاذ منه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال: (اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الحَوْرِ بَعدَ الكَوْرِ) (رواه مسلم والنسائي واللفظ له)؛ لكي لا يأمن الإنسان على نفسه، ولكي لا يأمن مكر الله، (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف:99).

ولا يزال المؤمن يدعو بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قَلبي على دِينِكَ) (رواه الترمذي وصححه الألباني)، وبقوله: (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنا على طاعَتِكَ) (رواه مسلم)؛ ولذلك لا يكون ما ذكره جوابًا صحيحًا على الحديث، وإنما كما ذكرنا يكون عمله صالحًا، لكنه قبل الوفاة يُفتَن ويعمل العمل الفاسد، ويحبط العمل الأول، نسأل الله العافية، ونسأله الثبات على الدِّين.

نسأل الله أن يتوفانا مسلمين، ويلحقنا بالصالحين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.