الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (30)

  • 24

قصة بناء الكعبة (28)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -تعالى-: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:135-136).

إن الدعوة المعاصرة لاعتبار الأديان الثلاثة -اليهودية والنصرانية والإسلام- هم أتباع الدين الإبراهيمي؛ باعتبار انتساب كل أتباعهم إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- دون النظر إلى حقيقة دين إبراهيم وملته؛ من توحيد الله، وترك الشرك به، والبراءة منه ومن أهله، والإيمان برسل الله جميعًا الذين جعلهم الله مِن بعده مِن ذريته؛ هذه الدعوة دعوة مخالفة لصريح القرآن، وهي متضمنة لقبول تكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والقرآن العظيم.

 بل أعظم مِن ذلك: قبول الشرك الذي أحدثه أتباع اليهودية والنصرانية بعد قرون من التوحيد بقي عليه أتباع الأنبياء موسى وعيسى -صلى الله عليهما وسلم- قبل أن يقع التبديل، كما قال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 30-33).

وقال -تعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة:4).

وهذه الآية الكريمة -التي نتناولها اليوم بالحديث عنها- تنسف دعوة المساواة الباطلة بين الأديان الثلاثة نسفًا؛ فضلًا عن غيرها من الأديان، وقوله -تعالى-: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): يدل دلالة قاطعة أن ملة إبراهيم هي غير اليهودية والنصرانية؛ بل هي الحنيفية القائمة على إخلاص توجُّه القلب لله -تعالى-، والميل إليه والإعراض عن غيره، والاستقامة على ذلك بتوحيده واتباع رسله، والصلاة إلى البيت الذي بناه؛ الكعبة المشرفة، بيت الله الحرام، والحج إليه، واتباع الشريعة التي خُتمت بها الرسالات والشرائع التي أنزلها الله على الأنبياء من ذرية إبراهيم من بعده.

وقد نسخ الله -عز وجل- بهذه الرسالة الإسلامية التي جاء بها محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- كل ما حدث من الشرائع قبلها، فلم يعد ممكنًا لأحدٍ أن ينتسِب إلى إبراهيم أو إلى موسى أو إلى عيسى -صلى الله عليهم وسلم- إلا باتباع هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم-، والإيمان به وبالقرآن الذي أنزله الله عليه، والبراءة من الشرك، كما نصَّت عليه هذه الآية الكريمة بقوله: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

وقد تضمنت أنه قد حدث في اليهودية والنصرانية من شرك عبادة الأحبار والرهبان، وشرك عبادة المسيح، والكفر بتكذيب الأنبياء وقتلهم؛ ما يجب التبرؤ منه، وتبرئة إبراهيم منه، بقوله: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:79).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "عن ابن عباس، قال: قال عَبْدُ اللهِ بنُ صُوريَّا الأعور لِرَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: مَا الهُدَى إِلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وقالت النَّصارى مِثْلُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ -عزَّ وجَلَّ-: (كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)".

وقوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي: لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية؛ بل نتبع ملة إبراهيم حنيفًا؛ أي: مستقيمًا. قاله محمد بن كعب القرظي وعيسى بن جارية.

وقال خُصيف عن مجاهد: مُخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: حاجًّا. وكذا رُوي عن الحسن والضحاك وعطية والسُّدي. وقال أبو العالية: الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حَجَّه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.

وقال مجاهد، والربيع بن أنس: "حَنِيْفًا"، أي: مُتَّبِعًا. وقال أبو قِلَابة: الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وقال قتادة: الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله؛ يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات، والخالات والعمات، وما حرَّم الله -عز وجل-، والختان.

قوله -تعالى-: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة:136).

أرشد الله -تعالى- عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أُنزل إليهم بواسطة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- مُفصَّلًا، وما أُنزل على الأنبياء المتقدمين مُجملًا، ونصَّ على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يُفرقوا بين أحد منهم؛ بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمَن قال الله فيهم: (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (النساء:150-151).

روى البخاري: عن أبي هريرة، قال: كانَ أَهلُ الكتابِ يقرءونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ ويُفَسِّرُونها بِالعَرَبيَّةِ لأَهلِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لا تصدِّقوا أَهلَ الْكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ).

وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس، قال: كان أكثَرُ ما يُصَلِّي رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الرَّكعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبلَ الفَجرِ: (آمَنّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ) (البقرة: ١٣٦)، إلى آخِرِ الآيةِ، والأُخرى: (آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ٥٢).

وقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط: بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، وَلَدَ كلُّ رجل منهم أمة من الناس، فسمُّوا الأسباط.

وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل. وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط: حَفَدة يعقوب، ذراري أبنائه الاثني عشر. وقد نقله الرازي عنه، وقرره ولم يعارضه.

وقال البخاري: الأسباط: قبائل بني إسرائيل. وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله -تعالى- من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا) (المائدة:20)، وقال -تعالى-: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) (الأعراف:160).

وقال القرطبي: وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة. وقيل: أصله من السَبَط، بالتحريك، وهو الشجر، أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سَبْطَة.

قال الزجاج: ويبيِّن لك هذا: ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، وساق السند عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد -عليهم الصلاة والسلام-. قال القرطبي: والسَبَط: الجماعة، والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد.

وقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها ورسله.

وقال سليمان بن حبيب: إنما أُمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.

روى ابن أبي حاتم: عن مَعْقِل بن يسار قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "آمِنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ وليسَعْكمُ الْقُرْآنُ" (انتهى من تفسير ابن كثير).

والصواب في نبوة أبناء يعقوب: أن النبي منهم هو يوسف -صلى الله عليه وسلم-، وأما الأسباط الذين ذكرهم الله في هذه الآية: فهم الأنبياء مِن ذريتهم، فكل أنبياء بني إسرائيل الذين مِن ذرية أبناء يعقوب -صلى الله عليه وسلم- هم المقصودون في هذه الآية، وليس أن كل أبناء يعقوب الأحد عشر -غير يوسف- أنبياء؛ لأن الله -عز وجل- لم يجعل فيما سلف من صفاتهم قبل التوبة ما يتناسب مع أخلاق الأنبياء -صلى الله عليهم وسلم-.

ومعنى قوله: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ) أي: في الإيمان، وليس معنى ذلك عدم التفضيل؛ فبالإجماع محمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل رسل الله؛ بل أفضل خلق الله، ثم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن قال له: يا خير البرية، قال: (ذَاكَ إِبْرَاهِيْمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-) (رواه مسلم)، وذلك قبل أن يُوحى إليه أنه سيد الناس يوم القيامة، أو قال ذلك تواضعًا مع أبيه الخليل -صلى الله عليه وسلم-؛ وإلا فإبراهيم قال -كما ثبت في الصحيحين-: (إِنَّما كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءِ وَرَاءِ)، فَخُلَّة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مُقَدَّمة، وبعد إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- موسى -صلى الله عليه وسلم-، كما نقل ذلك الإمام أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة، وهو الظاهر من أحاديث المعراج الكثيرة التي فيها أن موسى -صلى الله عليه وسلم- بعد إبراهيم في المنزلة، والله أعلى وأعلم.

وهذه الآية الكريمة التي كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بها كثيرًا في سنة الصبح؛ مع قوله -سبحانه وتعالى-: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:64)، كما ورد ذلك في صحيح مسلم، أو الآية الأخرى -على اختلاف الروايات-: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:52)؛ لَيَدُلُّنا على أن دين الإسلام هو دين الأنبياء جميعًا -صلى الله عليهم وسلم أجمعين-، ورزقنا الله -عز وجل- رفقتهم في الآخرة، وألحقنا بهم صالحين.