أنواع الوفاء (4)

  • 35

كتبه/ حسن حسونة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا زال الحديث موصول بنا عن الوفاء وأهميته، وأنه خُلُق دعت له الشرائع الربانية من أول نوح -عليه السلام- إلى نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وذكرنا من أنواع الوفاء: الوفاء مع الله، ومع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلامنا هنا عن الوفاء مع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآل بيته الكرام.

والصحابي: هو مَن لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على ذلك، وإن تخللت فترة ردة على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ حقق ذلك ابن حجر وغيره -رحمهم الله تعالى-.

وآل البيت: هم أقارب النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين منهم، ويدخل في ذلك: آل العباس، وآل جعفر، وآل علي، وآل عقيل، وبقية بني هاشم، وبني المطلب، ويدخل فيهم دخولًا أوليًّا زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-.

والصحابة الكرام وكذا آل البيت قوم مصطفون، أخيار أطهار اصطفاهم الله لصحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، واقرأ أثر ابن مسعود -رضي الله عنه- في ذلك حينما يتكلم عن الاصطفاء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما اطلع الله علي قلوب الناس، فوجد قلب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أفضل القلوب فاصطفاه لرسالته واطلع بعده على قلوب العباد فوجد قلب أصحابه أبر القلوب فاصطفاهم وجعلهم وزراءه، فمَن كان يريد الاقتداء فليقتدِ بمَن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

ثم إن الله أثنى عليهم في مواضع متعددة وأماكن متفرقة من كتابه، فقال الله -تعالى-: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح:29)، وأثبت الله رضاه عنهم فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100).

وأثبت رضاه عن المبايعين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة، وكانوا ألف وأربعمائة فقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح:18).

وخاطب الله هذه الأمة بالخيرية، والمُخَاطَب ابتداءً هم الصحابة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110)، وبين وسطية هذه الأمة، ولا شك أن ذلك للصحابة ابتداءً (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة:143)، والآيات كثيرة تشهد بثناء الله على أصحاب نبيه على وجه العموم، وعلى وجه الخصوص أيضًا كما في سورة الحشر الثناء على المهاجرين ثم بعدهم الأنصار.

وقد تربَّى هذا الجيل على معالي الأمور وترك سفسافها على يد المعلِّم الأول؛ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقدَّموا النفس والنفيس، والمال والولد والأهل أجمعين؛ لأجل هذا الدِّين، والمحافظة على سيد المرسلين، فاستحقوا الثناء الجميل من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ) (متفق عليه)، وقال أيضًا: (إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (متفق عليه).

وهذا مدح على وجه العموم، وجاء أيضًا المدح والثناء على وجه الخصوص للمهاجرين والأنصار، ولأفرادٍ: كالعشرة المبشرين بالجنة، وبلال، وخباب، وآل ياسر، وأبي ذر، والمقداد، وعكاشة بن محصن، وثابت بن قيس، وسعد بن معاذ، وغيرهم كثير؛ ثبت ذلك بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولماذا الصحابة؟

لماذا الكلام عن هؤلاء الإعلام؛ لأنه قد جاء بعض الأقزام ليتكلموا في شأن الأعلام، ويتبجحون ويسخرون ويستهزؤون بهؤلاء الأعلام، وهذه كما يسميها البعض حرب إسقاط الرموز، ولأنهم الواسطة بين الرسول وبين الأمة في تبليغ الدين في تأدية القرآن والسنة، فإذا ما أسقط الرمز سقط الدين فضلًا عن أناسٍ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر تجاه الصحابة الكرام، فإنهم بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلال ربع قرن من الزمان فتحوا المشارق والمغارب وأسقطوا أقوى إمبراطورتين في ذلك الزمان: الفرس والروم، فهناك من أصحاب القلوب المريضة ممَّن تربوا على موائد المستشرقين لم يعجبهم ذلك، فأخذوا في الطعن؛ فضلًا عن أهل الرفض من الشيعة وطعنهم في هؤلاء الإعلام الكبار، بل وأصل مذهبهم لا يقوم إلا على ذلك حتى في أورادهم وأذكارهم فيها سب لخيرة البشر بعد الأنبياء والمرسلين!

والسلف الصالح -رحمهم الله- في تأليفهم لكتب العقيدة لم يكونوا يخصصون الكلام عن الصحابة إلى أن ظهرت الانحرافات، فخصصوا بابًا يتكلم عن عقيدة أهل السنة في الصحابة وآل البيت، بعيدًا عن تكفير الشيعة لهم إلا النزر اليسير منهم! وبعيدًا عن تفسيق الخوارج لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فالصحابة مصطفون من الله، وأنت حينما تتأمل لماذا كان من الأولياء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم، ولم يكن أبو جهل ولا أبو لهب، ولا عقبة بن أبي معيط، ولا عتبة وشيبة أبناء ربيعة، وغير هؤلاء مع أن الجميع رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسمع منه، ودعاه للإسلام؛ فالإجابة حتمًا: أن هذا توفيق من الله، واصطفاء للصحب الكرام (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص:68).

فالوفاء للصحابة ولآل البيت يكون بمحبتهم والترضي عنهم، والاستغفار لهم، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟). قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ). قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) قَالَ أَنَسٌ: "فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ" (متفق عليه). ونحن نقول: إننا نحب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وجميع الصحب وآل البيت، ونرجو أن يجمعنا الله بهم.

وإذا كان حب الأنصار دليل الإيمان وبغضهم دليل النفاق كما ثبت في الحديث الصحيح، فما الحال بحب المهاجرين -رضي الله عنهم جميعًا-؟!  

واعلم أنه لا تعارض إطلاقًا بين محبة الصحابة الكرام ومحبة آل البيت، بل نترضى على الجميع، ومَن وَجَد مِن نفسه أزمة في ذلك، فليعالج نفسه، ويستخرج مرض القلب في التفرقة بينهما؛ فهؤلاء صحابة وهؤلاء صحابة، وهذا الوفاء ذكره الله في سورة الحشر بعد ثنائه على المهاجرين والأنصار، فأخبر الله عن الأجيال التي تأتي من بعدهم ما هو الواجب عليهم تجاه المهاجرين والأنصار، فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10).

فهذا الوفاء الأول من القرون المتتابعة لهم: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ).

وهذا الوفاء الثاني: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا): لا تجعل في قلوبنا غلًّا ولا حقدًا، ولا كرهًا لأحدٍ من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبخاصة مع كثرة الكذابين الذين ينقلون الأكاذيب على صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا قرأت خبرًا؛ فإما أن يكون كذبًا فتأكد من صحته، وإما أن يكون صدقًا وله تفسيره وبيانه عند الصحابي، لكنه لم يصلك، ويجب أن تعلم أننا لا ندعي العصمة لهم، أو لأحدٍ غير الأنبياء والمرسلين، فهم يصيبون ويخطئون، ويكون ذلك عن اجتهاد، فمَن أصاب له أجران، ومَن أخطأ فله أجر واحد، ولهم ما لهم من السبق في الدين والأعمال الصالحة التي يغفر الله لهم بها هفوات وزلات، فقد وقع من بعضهم الذنب كالزنا مثلًا أو السرقة، ولكنهم سرعان ما تابوا، وبعضهم أقيم عليه حدٌ، وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه تاب توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم.

والمهم من ذلك: أن نعلم أنهم بشر لهم مِن السبق والفضل والصحبة ما لغيرهم، ومع ذلك لا عصمة لهم فيقع بعضهم في الذنب إما تأويلًا أو شبهة، أو خطأ، أو نسيانًا، وكل ذلك موجود فلا نذكر لهم المسالب ونترك الفضائل الجمة لهم -رضوان الله عليهم-.

ومن الوفاء للصحابة ولآل البيت: أن ننزلهم منازلهم التي أنزلها لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان الذين ثبت في حقهم رضا الله عنهم، ثم المهاجرون الأولون ثم الأنصار، ثم مَن أنفق مِن قبل الفتح وقاتل، ثم مَن أنفق من بعد الفتح وقاتل، وهذا الترتيب يدخل فيه آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- على حسب درجاتهم.

ومن الوفاء لهم: أن نعتقد أن الخليفة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أبو بكر، وقد ألمح النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك، فأمره أن يصلي بالناس في فترة مرضه، وبعده عمر -رضي الله عنه- بالتعيين من أبي بكر، وبعده عثمان حيث جعلها عمر -رضي الله عنه- شورى في ستة، هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، فتنازل ثلاثة لثلاثة: طلحة وسعد والزبير، وقال عبد الرحمن: اجعلوها إلي فمَن بايعته فليبايعه الآخر بين عثمان وعلي، ثم طاف عبد الرحمن على المهاجرين والأنصار في ثلاثة أيام متتابعة، فما وجد أحدًا يعدل عن عثمان فبايعوه، ثم بعده علي بن أبي طالب، وبعده الحسن بن علي ستة أشهر ليستكمل الثلاثين سنة التي أخبر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخلافة الراشدة، ثم تنازل الحسن -رضي الله عنه- عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- على رأس الواحد والأربعين، وهو: "عام الجماعة"؛ حيث اجتمعت فيه كلمة أهل العراق مع كلمة أهل الشام، وليحقق الحسن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أن الله سيصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين.

ومن الوفاء للصحابة وآل البيت: السكوت عما جَرَى بينهم من الخلافات التي لأجلها وقعت المعارك بينهم، فقتل على إثرها مِن هؤلاء وهؤلاء، فكلهم مجتهد مثاب، وخطؤهم يغفره الوهاب، فعلي -رضي الله عنه- ومَن معه، ومعاوية -رضي الله عنه- ومَن معه؛ الكل اجتهد في مسألة، وهي: الأخذ بثأر عثمان -رضي الله عنه-، فرأى علي التمهل ليستتب الأمر، ورأى معاوية التعجل بالثأر لدم عثمان، والذي لا نشك فيه أن الحق مع علي -رضي الله عنه- وأن معاوية اجتهد فأخطأ، وبين هؤلاء وهؤلاء تدخل السبئيون -أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي- بالمناوشات تارة، والإيقاع بين الصحابة تارة؛ إلى أن وقع ما يرجى عقباه، وكل ذلك بقدر الله الكوني، وبما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن عمار من أنه تقتله الفئة الباغية، وغير ذلك مما أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن واجبنا نحن السكوت عما جَرَى بينهم، ونستغفر للجميع، فقد كان علي -رضي الله عنه- يجمع في آخر النهار قتلى الفريقين ويصلي عليهم، وقد سُئِل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عن الذي وقع بين الصحابة، فقال: "فتنة عصم الله منها سيوفنا، فنعصم منها ألسنتنا".

فالكل له ما له من السبق والجهاد، والعمل الصالح، ما يغفر الله له بها من الهفوات، وقد قال أبو زرعة الرازي -رحمه الله-: "إذا رأيت أحدًا يتنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق -أي: منافق-، فهؤلاء شهودنا، وهم يريدون الطعن فيهم، والطعن بهؤلاء الزنادقة أولى".

هذا بعض الوفاء لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وغيرها أكثر، فنسأل الله أن يجمعنا بهم على حوض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يلحقنا بهم غير مبدِّلين. آمين.