• الرئيسية
  • المقالات
  • وقفات مع آيات (5) قوله -تعالى-: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (موعظة الأسبوع)

وقفات مع آيات (5) قوله -تعالى-: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (موعظة الأسبوع)

  • 38

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -تعالى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232).

قصة نزول الآية:

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته، روى الترمذي عن معقل بن يسار: أنَّهُ زوَّجَ أختَه رجلًا منَ المسلمينَ، علَى عَهدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَكانت عندَه ما كانت، ثمَّ طلَّقَها تطليقةً لم يراجعها حتَّى انقضتِ العدَّةُ، فَهويَها وَهويتهُ، ثمَّ خطبَها معَ الخطَّابِ، فقالَ لَه: يا لُكعُ أكرمتُك بِها وزوَّجتُكَها، فطلَّقتَها، واللَّهِ لا ترجع إليكَ أبدًا آخرُ ما عليكَ، قالَ: فعلمَ اللَّهُ حاجتَه إليها وحاجتَها إلى بعلِها، فأنزلَ اللَّهُ -تبارَك وتعالى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) إلى قوله: (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فلمَّا سمعَها معقلٌ قالَ: سمعًا لربِّي وطاعةً، ثمَّ دعاهُ فقالَ: أزوِّجُك وأُكرمُك" (رواه البخاري وأبو داود، والترمذي واللفظ له).

فوائد حول الآية:

(1) فضل الحياة الزوجية في الإسلام:

- الحياة الزوجية فطرة ربانية، وآية في خلق الله؛ لما فيها من المصالح الشرعية والنفسية والاجتماعية: قال -تعالى-: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:49)، وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، وقال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل:72).  

- الحياة الزوجية سنة الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام-: قال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرعد:38)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا فإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبانِيَّةِ النَّصارَى) (رواه البيهقي، وصححه الألباني).

- في الحياة الزوجية العفاف والطهر، والسبيل إلى الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ، وما بيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَن له الجَنَّةَ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا تزوَّجَ العبدُ؛ فقد استَكملَ نِصفَ الدِّينِ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني).

(2) الحياة الزوجية تكامل لا تطابق:

- الاختلاف سنة كونية، وكذلك هو في الحياة الزوجية: ولولا ذلك ما شرعت أحكام الطلاق والعِدد والفراق والحضانة والنفقات، ولا يخلو بيت في الدنيا من الخلافات الزوجية، ولكنها في بيوت الصالحين أقل من غيرها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بيْنَهُمْ) (رواه مسلم). وفي حديث ابن عباس الطويل، فقالت امرأة عمر -رضي الله عنه- له: "مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟" (متفق عليه).

- والنبي -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم الأمة السبيلَ الأمثل للتعامل مع الخلافات الزوجية: عن النعمان بن بشير قال: "جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ وَتَنَاوَلَهَا، أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! قَالَ: فَحَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا: (أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ)، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا" (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (إنِّي لَأَعْلَمُ إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، وإذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى) قالَتْ: فَقُلتُ: مِن أيْنَ تَعْرِفُ ذلكَ؟ فقالَ: أمَّا إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، فإنَّكِ تَقُولِينَ: لا ورَبِّ مُحَمَّدٍ، وإذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لا ورَبِّ إبْراهِيمَ، قالَتْ: قُلتُ: (أجَلْ واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، ما أهْجُرُ إلَّا اسْمَكَ) (متفق عليه).

- القرآن يرشد الصالحين الى سبيل تحقيق حياة زوجية سعيدة (الطاعة والدعاء والمقاربة): قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74).

(3) منزلة الولي في عقد الزواج:

- الآية وسبب نزولها من أعظم أدلة الجمهور على اشتراط إذن الولي في صحة العقد: قال -تعالى-: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا(، وقول معقل -رضي الله عنه-: "سمعًا لربِّي وطاعةً" ثمَّ دعاهُ، فقالَ: "أزوِّجُك وأُكرمُك"، وفي رواية البخاري: "فقُلتُ: الآن أفعَلُ يا رَسولَ اللهِ، فزوَّجَها إيَّاه"، وفي رواية: "فَدَعَا زَوْجَهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ".

- وجاءت السُّنَّة بالبيان والتفصيل والتصريح باشتراط الولي: فعن أبي موسى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ) (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني)، وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني)(1).

(4) أدب الصحابة والسلف -رضي الله عنهم- مع كلام الله وحكمه:

- استجابة معقل بن يسار -رضي الله عنه- الفورية لحكم الله وترك الحمية: قال معقل -رضي الله عنه-: "سَمْعًا لربِّي وطاعةً"، لما قال -تعالى-: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ).

- هكذا الصالحون إذا ذُكِّروا بآيات ربهم: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) (الفرقان:73)، وقال -تعالى- عنهم: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور:51).

- بخلاف المنافقين والفاسدين، فحالهم ومقالهم الجدال والصد: قال -تعالى- عنهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) (النساء:61).

خاتمة:

- اتِّباع ما جاء به الشرع من أحكام وآداب تتعلق بالأسرة، يورث الخير والطهارة: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

- آثار ذلك في أحداث نزول الآية: (استجابة معقل لأمر الله - عودة الحياة الزوجية بين أخته وزوجها وما يترتب على ذلك من مصالح دينية ودنيوية - اتقاء تفكك الأسرة وآثار ذلك).

نسأل الله -تعالى- أن يحفظ بيوت المسلمين، وأن يبعث فيها البركة والسعادة.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فائدة: أولياء المرأة الذين يحق لهم تزويجها هم العصبة، وهم أقاربها الذكور من جهة أبيها لا من جهة أمها على قول جماهير أهل العلم. وأحقهم بذلك: الأب والجد، والأبناء، والإخوة، والأعمام، وهكذا.

rl(null,true)])