• الرئيسية
  • المقالات
  • وقفات مع آيات (7) (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)

وقفات مع آيات (7) (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)

  • 13

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا(الأحزاب:36).

التفسير العام للآية:

لا يصح لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله فيهم بأمرٍ أن يكون لهم الاختيار في قبوله أو رفضه، ومَن يعصى الله ورسوله، فقد ضَلَّ عن الصراط المستقيم ضلالًا واضحًا (المختصر في التفسير).

قصة نزول الآية:

- ذكر في سبب النزول ثلاثة حوادث كلها في معنى واحد، وقد سبق التنبيه أنه قد يتعدد السبب، والعكس.

- فقيل: نزلت في زينب بنت جحش -رضي الله عنها-، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش لزيد بن حارثة -رضي الله عنه-، فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبًا، وكانت امرأة فيها حِدَّة، فأنزل الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ) الآية كلها(1).

- وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة -رضي الله عنها-، قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول من هاجر من النساء -يعني: بعد صلح الحديبية- فوهبت نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: قد قبلت فزوجها زيد بن حارثة -يعني والله أعلم بعد فراقه زينب- فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فزوجنا عبده! قال: فنزل القرآن: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا)" (تفسير ابن كثير).

- وقيل: في زواج جليبيب -رضي الله عنه-، فقد روى الإمام أحمد عن أنس -رضي الله عنه- قال: "خَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى جُلَيْبِيبٍ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " فَنَعَمْ إِذًا " قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لَاهَا اللهُ إِذًا، مَا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا جُلَيْبِيبًا وَقَدْ مَنَعْنَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟ قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْتَمِعُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ، فَأَنْكِحُوهُ قَالَ: ‌فَكَأَنَّهَا ‌جَلَّتْ ‌عَنْ ‌أَبَوَيْهَا، ‌وَقَالَا: ‌صَدَقْتِ. ‌فَذَهَبَ ‌أَبُوهَا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ قَدْ رَضِيتَهُ فَقَدْ رَضِينَاهُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُهُ. فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ فُزِّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَرَكِبَ جُلَيْبِيبٌ فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ قَتَلَهُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَمِنْ أَنْفَقِ ثَيِّبٍ فِي الْمَدِينَةِ!".

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب": أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره؟ نزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ... )".

وقفات حول الآية:

1- وجوب استسلام المؤمن لحكم الله والانقياد له، ولو كان مخالفًا لهواه:

- الشاهد من الآية وما جاء في سبب نزولها من المواقف الثلاثة للصحابة -رضي الله عنهم: قال ابن كثير -رحمها لله-: "فهذه الآية عامة في جميع الأمور؛ وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ هاهنا، ولا رأي ولا قول".

- مقتضى الإسلام الانقياد والاستسلام لأوامر الله ورسوله: قال -تعالى-: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(النساء:65).

- الامتثال حقيقة التسليم، والصحابة خير مثال: ففي أمر تحريم الخمر قال أنس -رضي الله عنه-: " ... فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ القِلاَلَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا، وَلاَ رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ" (متفق عليه).

- وفي أمر الحجاب قالت عائشة -رضي الله عنها-: إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلا، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ، لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ(النور:31)، انْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِنَّ فِيهَا، وَيَتْلُو الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَعَلَى كُلِّ ذِي قَرَابَتِهِ، مَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا الْمُرَحَّلِ فَاعْتَجَرَتْ بِهِ تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ، فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصُّبْحَ مُعْتِجِرَاتٍ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ" (رواه ابن أبي حاتم).

- وفى نفس المعنى الذي نزلت فيه الآية: "أنَّ مَعقِلَ بنَ يَسارٍ كانت أختُه تحتَ رَجُلٍ فطَلَّقَها، ثمَّ خَلَّى عنها حتى انقَضَت عِدَّتُها، ثمَّ خَطَبَها، فحَمِيَ مَعقِلٌ مِن ذلك أنَفًا، فقال: خلَّى عنها وهو يَقدِرُ عليها، ثمَّ يَخطُبُها! فحال بينه وبينها، فأنزل الله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(البقرة:232)، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‌فَقَرَأَ ‌عَلَيْهِ ‌فَتَرَكَ ‌الْحَمِيَّةَ ‌وَاسْتَقَادَ ‌لِأَمْرِ ‌اللهِ. (رواه البخاري).

2- الدِّين كلٌّ لا يتجزأ:

- الإشارة إلى خطأ كثير من المسلمين، الذين يعتقدون أن الإسلام بعض المظاهر والعبادات: كالصلوات الخمس، والصيام، والحج والعمرة، وحسب ... أما إذا جاءتهم الأحكام الأخرى: كالحدود، وأحكام التوحيد والنهى عن الشرك، والنهى عن التشبه بالكفار، وموالاة المشركين، وترك المعاملات الربوية، وتحريم التبرج، والغناء والمجون، أو غيرها من الأحكام؛ ترى كثيرًا منهم يغضبون ويرفضون! قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً(البقرة 208)، وقال -تعالى-: (‌أَفَتُؤْمِنُونَ ‌بِبَعْضِ ‌الْكِتَابِ ‌وَتَكْفُرُونَ ‌بِبَعْضٍ ‌فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(البقرة:85).

- صور من عظيم إيمان السلف بوجوب قبول كل ما جاء عن الله ورسوله، وإنكارهم على مَن تردد في ذلك:

1- عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ -رَضْيَ اللهُ عنه- قَالَ: نَهى رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عَنِ الخَذْفِ، وقَالَ: (إِنَّه لا يَقتلُ الصَّيدَ، ولا يَنْكأُ العدُوَّ، وإنَّه يَفقَأُ العَينَ، ويكسِرُ السِّنَّ(متفق عليه). وفِي روايٍة: أنَّ قَرِيبًا لابنِ مُغفَّلٍ حَذَفَ؛ فنَهاه وقَالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- نَهى عَنِ الخَذْفِ، وقَالَ: (إِنَّها لا تَصِيدُ صَيدًا) فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ، ‌لَا ‌أُكَلِّمُكَ ‌أَبَدًا. (رواه مسلم).

2- وعن ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا ‌تَمْنَعُوا ‌إِمَاءَ ‌اللهِ ‌مَسَاجِدَ ‌اللهِ)، فقال أحدُ أبنائه وهو بلالُ بن عبدِ الله بن عمر: "وَاللهِ ‌لَنَمْنَعُهُنَّ"، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ: "أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَقُولُ: وَاللهِ ‌لَنَمْنَعُهُنَّ" (رواه مسلم).

3- و"كان هارون الرشيد -رحمه الله- معظِّمًا لما يبلغه عن رسول الله، وقَّافًا عند الحديث، وكان يستدعي أبا معاوية الضرير، محمد بن خازن؛ ليسمع منه الحديث، وربما كان يبكي عند سماع الحديث ويقول: صدق سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفى يوم من الأيام حدث عنده أبو معاوية بحديث: "احتج آدم وموسى..."، وفيه: وقال آدم: ... وقال موسى: ... " (رواه البخاري وغيره)، وعم الخليفة جالس عنده، فقال عمه: يا أبا معاوية، احتج آدم وموسى، أين التقيا؟! فما إن سمع هارون الكلمة حتى غضب وثار، وقال: عليّ بالسيف والنطع، -الجلد الذي تقص عليه الرؤوس-، فقام القوم يهدؤونه، فقال: يقول قال رسول الله، ثم تقول أين التقيا؟! فلا زالوا يهدؤونه، وما رضي هارون حتى حلف عمه بالأيمان المغلظة أنها مجرد خاطرة، وما سمعها من أحدٍ، وهارون يقول: هذه زندقة".

- بل كل مسلم سليم القلب والعقيدة، ولو كان من عامة الناس، يدرك أن الدين كامل مكتمل: قال ابن القيم -رحمه الله-: "سئل أعرابيّ: بمَ عرفت أن محمدًا رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيءٍ فقال العقل: ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به!" (مفتاح دار السعادة).

خاتمة:

- تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى عظيم انقياد الصحابة -رضي الله عنهم-.

نسأل الله أن يجعلنا مِن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهكذا قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل: أنها نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمولاه زيد بن حارثة".  

rl(null,true)])