ما بين الدنيا والآخرة

  • 24

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن الدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمعان، وقد يفهم البعض هذا الضد على أنه لابد أن يترك الدنيا لا يعمرها، وهذا فهم خاطئ وضَّحه وبيَّنه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فالعبرة بالهم والاهتمام، وكثرة التفكير، فهناك مِن الناس مَن يظل يفكر في رغبات وأموال ووظائف الدنيا ساعات، ولربما لو سعى فيها هذا الوقت متوكلًا على الله، طالبًا لما عنده؛ لنال ما أتعب تفكيره دون جدوى.

وعلى النقيض تمامًا: مَن يسعى في تعمير الدنيا، ولكن همه وتفكيره في الآخرة، وكيف سيمر على الصراط، وكيف سيكون حاله عند تطاير الصحف، وكيف سيكون حاله في القبر، وما سيقوله بين يدي ربه؛ فمثل هذا يجمع الله له ما أراد تحصيله من الدنيا، ويقذف في قلبه -عز وجل- الرضا والسعادة بما يتحصل عليه، وهذا لو تدبرنا هو التملك الحقيقي للدنيا؛ ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) (متفق عليه).

على عكس الأول الذي انشغل بالدنيا، فجعل الله عقوبته في انشغاله، فلا يرى أبدًا إلا ما ينقصه، وما أعجب ما قاله أحد المشايخ: "إنه سمع مليونيرًا يقول حزينًا: لقد كسبت شركتي ثلاثة ملايين فقط هذا العام، والعام الماضي كانوا خمسة، فأنا حزين لخسارة الاثنين مليون جنيه!"، سبحان الله! هذا مثال يوضِّح كيف يكون الفقر بين العينين، أي: لا يرى إلا فقرًا، ولو كان غنيًّا!

في حين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل حيازة الدنيا كلها في أشياء يتنعم فيها معظمنا معظم الأيام حينما قال -عليه السلام-: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).

فيا رب لك الحمد على الأيام الكثيرة التي نمنا فيها ومعنا الدنيا كلها، واغفر لنا حين حصلنا عليها ونمنا مهمومين بالزيادة فيها، وما أجمل دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

rl(null,true)])