اقتربت الساعة

  • 33

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن الله خبَّأ على الناس موعد قيام الساعة حتى تسير الحياة؛ لأن لو علموا موعدها لتوقف كل شيء، ولكن الله نبهنا في كتابه الكريم، فقال: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر:1).

جاء في تفسير الطبري: "القول في تأويل قوله -تعالى-: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ)، يعني تعالى ذكره بقوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ): دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة، وقوله: (اقْتَرَبَتِ) افتعلت من القُرب، وهذا من الله تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوِّ القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون" (تفسير الطبري).

لذا في غير موضع نبَّه الله عباده باقتراب الساعة منذ أن نزل القرآن من أكثر من ألف وأربعمائة عام على النبي الخاتم سيدنا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقال الله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) (الأنبياء:1).

إذًا اقتربت الساعة؛ فهي ليست بعيدة، وهذا الأمر لجميع الخلق، أي: تنتهي الحياة الدنيا، ويبدأ الحساب فِمن الناس فائز، ومنهم في خسران مبين، فلو تدبرت الآيات وكنت تقيًّا نقيًّا لعلمت بأن الحياة لا بكاء عليها، فمَن تمسك بها فقد خسر، ومَن استعملها كما أمر الله كان مِن الفائزين.

إن الحياة إذا تملكت القلوب حولت الاتجاه من اليمين إلى الشمال، فيسير الإنسان عكس الطريق المستقيم، فحتمًا سوف يهلك، فالدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ لذا هي حقيرة إن شغلتك عن الله، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، ولكن أسير الشهوات هو مَن تملكت منه الدنيا فجعلته في عثرات ونكبات، وعند الله يرى الويلات فالله رحيم بعباده إذ نبههم في كتابه، وعن طريق الرسل والأنبياء؛ حتى لا يُظلم عنده أحد فهو العدل الرحيم، ولكن ضعف الإيمان جعل الإنسان في ظلم وطغيان فمَن تجبر نسي أن الله أكبر، فمهما ضحكت لك الدنيا إياك أن تضعف لحظة فالموت يأتي بغتة، وعذاب الله شديد، قال -تعالى-: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الزمر:٥٥).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة مِن الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن اللّه -تبارك وتعالى- يغفر الذنوب جميعًا لمَن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر" (تفسير ابن كثير).

فيا مَن لك مِن الأنفاس تستنشقها، كن فطنًا رجاعًا تقيًا، فالله يفرح بتوبة عباده، إنه العفو الغفور الرحيم!

rl(null,true)])