• الرئيسية
  • المقالات
  • وقفات مع آيات (10) (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (موعظة الأسبوع)

وقفات مع آيات (10) (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (موعظة الأسبوع)

  • 35

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1).

موضوع الآية:

نزول حكم ظهار الرجل من امرأته(1).

قصة نزول الآية:

عن عائشة ـرضي الله عنهاـ قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ، إنِّي لأسمعُ كلامَ خَولةَ بنتِ ثَعلبةَ ويخفَى علَيَّ بعضُهُ، وَهيَ تشتَكي زَوجَها إلى رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَهيَ تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبابي، ونثرتُ لَهُ بَطني، حتَّى إذا كبُرَتْ سِنِّي، وانقطعَ ولَدي، ظاهرَ منِّي، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ. فما برِحَتْ حتَّى نزلَ جِبرائيلُ بِهَؤلاءِ الآياتِ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)، قَالَتْ: وزوجها أَوْس بن الصَّامِتِ" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وفي رواية قالت خولة: " فِيَّ وَاللهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، ‌وَكَانَ ‌شَيْخًا ‌كَبِيرًا ‌قَدْ ‌سَاءَ ‌خُلُقُهُ وَضَجِرَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ... " (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني).

وقفات حول الآية:

(1) حرمة الظهار(2) وإثم فاعله:

كان الرجل في الجاهلية يصف زوجته بأنها أمه ليحرمها على نفسه، وكان ذلك في حكم الطلاق: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ).

فجاء الإسلام فبيَّن أن هذا الوصف من الكذب والزور، ولا تحرَّم المرأة بالكذب والزور، قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (المجادلة:2)(3).

ولذلك شرعت الكفارة من هذا الذنب بعد التوبة، وهو الذي جاء في سياق الآيات: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة:3-4)، وعن خويلة قالت: ... فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌مُرِيهِ ‌فَلْيُعْتِقْ ‌رَقَبَةً)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ، قَالَ: (فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: (فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ... ) (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وحسنه الألباني).

ولا يجوز مس المرأة قبل التكفير: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) (المجادلة:3).

قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة". وقال ابن عباس -رضي الله عنهما: "المس النكاح"، وكذا قال غير واحد من السلف. (تفسير ابن كثير).

(3) فضل التعبد لله بالأسماء والصفات:

عظيم تعبد أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بذلك: قالت وهي تروي القصة: "‌الْحَمْدُ ‌لِلَّهِ ‌الَّذِي ‌وَسِعَ ‌سَمْعُهُ ‌الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَشْكُو زَوْجَهَا، فَكَانَ يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني)، وفي الرواية الأخرى قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ".

وقفة مع اسم الله السميع:

سمع الله -تعالى- نوعان:

النوع الأول: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ ما يقصد به التهديد: قال -تعالى-: (‌أَمْ ‌يَحْسَبُونَ ‌أَنَّا ‌لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) (الزخرف:80).

2 ـ ما يقصد به التأييد: قال -تعالى-: (إِنَّنِي مَعَكُمَا ‌أَسْمَعُ ‌وَأَرَى) (طه:46).

3 ـ ما يقصد به بيان الإحاطة: قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).

النوع الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله -تعالى-: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: مجيب الدعاء. ومنه قول المصلي: "سمع الله لمَن حمده" أي: أجاب الله حمْد مَن حمِدَه، ودعاءَ مَن دعاه، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (‌إِذَا ‌قَالَ ‌الْإِمَامُ ‌سَمِعَ ‌اللهُ ‌لِمَنْ ‌حَمِدَهُ، ‌فَقُولُوا: ‌اللهُمَّ ‌رَبَّنَا ‌لَكَ ‌الْحَمْدُ) (متفق عليه)، وفي رواية: (فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ‌يَسْمَعُ ‌اللهُ ‌لَكُمْ)؛ أي: يُجِبْكُمْ، فالسَّماع هنا بِمعنى: الإجابة والقبول، وعند التِّرمذي في سُننه: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك مِن دُعاءٍ لا يُسْمَع".

مِن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:

- إذا علم العبد أن ربه يسمع كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فيسمع حركاته وسكناته؛ حمله ذلك الاعتقاد على المراقبة للَّه -سبحانه- في جميع الأحوال، وفي جميع الأمكنة والأزمنة، فيمسك عن كل قول لا يُرضي ربه، ويحفظ لسانه فلا يتكلم إلا بخير: قال -تعالى-: (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طه:7).

- إذا علم العبد أن اللَّه هو السميع الذي يسمع المناجاة، ويجيب الدعاء عند الاضطرار، ويكشف السوء، ويقبل الطاعة؛ أقبل عليه بالدعاء واليقين بالإجابة، مقتديًا بالأنبياء والمرسلين في سؤالهم بهذا الاسم العظيم: ففي دعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:127)، وفي دعاء زكريا -عليه السلام- أن يرزقه اللَّه ذرية صالحة: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، وفي دعاء يوسف -عليه السلام- أن يصرف عنه كيد السوء: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف:34).

- إن العبد إذا دعا ربه فسمع دعاءه سماع إجابة، وأعطاه ما سأله وعلى حسب مُراده ومطلبه، أو أعطاه خيرًا منه، حصل له بذلك سُرُور يمحو من قلبه آثارَ ما كان يجدُه مِن وحشة البُعد، فإنَ للعطاء والإجابة سرورًا وأنسًا وحلاوة، وللمنع وحشة ومرارة، فإذا تكرر منه الدُعاء، وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه، محا عنه آثار الوحشة، وأبدله بها أنسًا وحلاوة؛ قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ‌أُجِيبُ ‌دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (انظر تهذيب المدارج).

خاتمة:

تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى فائدة العلم بسبب النزول في فهم الآية.

والحمد للَّه رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذُكِر في فضل خولة بنت ثعلبة -رضي الله عنها-: ما روى ابن أبي حاتم: عن أبي يزيد قال: "لقيت امرأةُ عمر -يقال لها خولة بنت ثعلبة-، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري مَن هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفتُ عنها حتى تقضي حاجتها، إلى أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها" (أخرجه ابن أبي حاتم، وهو منقطع بين أبي يزيد، وعمر بن الخطاب؛ كما قاله ابن كثير).

(2) قال ابن كثير في التفسير: "أصل الظهار مشتق من الظهر؛ وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحدٌ من امرأته قال لها، أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقا، فأرخص الله لهذه الأمة، وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا، كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف" (تفسير ابن كثير).

(3) قال ابن كثير -رحمه الله-: "لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها مِن سائر المحارم من أختٍ، وعمٍة، وخالةٍ، وما أشبه ذلك" (تفسير ابن كثير).

rl(null,true)])