الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (37) دعوة إبراهيم لملك زمانه إلى التوحيد (4)

  • 64

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقوله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى ‌الَّذِي ‌حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(البقرة:258).

الفائدة الرابعة:

احتجاج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) هو احتجاج على وجود فاعلٍ واحدٍ لما يُرى من مظاهر الموت والحياة بملايين المرات، بل ملايين الملايين كل يوم، بل كل ساعة، بل كل لحظة بنفس النظام الواحد مِن ولادة ملايين البشر والحيوانات، والحشرات والأسماك، والكائنات الدقيقة؛ التي تحيا أمامنا بلا فعل منا ولا من أنفسها، ولا من غيرها من الخلق؛ إلا الله وحده، ثم موت الملايين من كل نوع كل يوم، بل كل ساعة، بل كل دقيقة في أرجاء العالم، وما وراءه مما لا نعلمه ليس بإرادة هذه المخلوقات، بل بكراهيتها للموت ومقاومتها له، وأخذها بأسباب الحياة.

وأعظمُهم أخذًا بها الإنسان: الذي أعطاه الله العقل الذي يحافِظ به على حياته، فوق الفطرة الطبيعية التي تستعملها الحيوانات الأخرى بالفرار من الضرر وطلب الخير، بل عقل الإنسان -الذي هو هبة من الله قطعًا- لم يهبه لنفسه، ولا وهبه له أبوه ولا أمه، ولا أحد مِن الناس، ولا أحد مِن الخلق؛ فضلًا عن الكائنات الأخرى؛ فضلًا عن الجمادات التي يسميها الكفار: "الطبيعة".

هذا العقل به اخترع الإنسان طرق وقايته مِن الموت، وعلاج الأمراض، وبه صنع الأدوية والأدوات العلاجية المختلفة؛ فرارًا من الموت وحفظًا للحياة، ثم بعد ذلك يأتي الموت قهرًا عليه، وعلى أحبابه وعلى أقربائه في سلسلة عجيبة مستمرة من آلاف السنين، بل مئات الآلاف، بل أكثر من ذلك مما لا ندريه.

وهذه السلسلة بين الحياة والموت -عند التأمل- هي سبب استمرار الحياة والمصلحة الكلية العامة للكائنات كلها، التي لا تتم إلا بها، ففاعلها على النمط الواحد من الانفلاق، (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى(الأنعام:95)، ثم اختلال نظام جسم الكائن الحي قبل الموت يدل على وحدانية الخالق، والمصالح المترتبة على هذه السلسلة تدل على حكمة فاعلها، والإتقان البالغ الذي تتم به الحياة ثم الموت، يدل على العلم والخبرة والقدرة، ووجود الأوامر بالموت والحياة دليل على الربوبية، وكل هذا دليل على الانفراد واستحقاق الإلهية، وحق العبودية على كل الخلق، (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا(مريم:93-95)، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ ‌لَا ‌تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(الإسراء:44)، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(الذاريات:56).

ووالله إن حجة إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم- لَحُجة باهرة قاطعة لمَن تفكر فيها؛ ولكن الإعراض المتعمد عن الفهم، ثم عن الاستجابة بعد الفهم حتى يستحق صاحبه الطبع والختم على السمع والبصر والفؤاد -نسأل الله العافية-؛ هو الذي أدَّى بصاحبه إلى هذا المصير.

الفائدة الخامسة:

من أعجب المكابرة أن يحتج عاقلٌ على هذه الحجة الواضحة بأن الله يحيي ويميت؛ فيأتي بإنسان أو دابة أو أي شيء حي فيقتله ويترك غيره؛ فهو -أولًا- لم يهب الحياة لهذا الحي الذي تركه حيًّا، وزعم أنه أحياه، بل يقينًا لم يهب الحياة لنفسه، فكيف يقابل حجة إبراهيم (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) بأنه ترك هذا الإنسان حيًّا، وقتل الآخر؟!

فلو سلمنا له أنه بذلك قد أحيا وأمات -وهو ليس كذلك-: هل يستطيع أن ينسب لنفسه الملايين من عمليات الإحياء وهبة الحياة لكل الكائنات الحية؟! بالقطع لا يستطيع أن ينسب هذا لنفسه.

وكذلك في قوله عن نفسه: (وَأُمِيتُ) في مواجهة حجة إبراهيم أن ربَّه -رب العالمين- هو الذي يميت؛ فبالقطع لا ينسب لنفسه ملايين الملايين من عمليات الإماتة في هذا الكون وما وراءه مما لا نعلمه، فبالتأكيد والقطع واليقين كانت مجادلته مجرد مشاغبة، وانتقال عن موطن الاستدلال إلى التلاعب بالألفاظ، مما ينشغل به أكثر مَن حوله، بل كل مَن حوله إلا ثلاثة أنفس "إبراهيم وسارة ولوطًا"؛ ولذا آثر إبراهيم عدم الاستمرار في الدفاع عن حجته البيِّنة القاطعة إلى حجة أخرى لا يستطيع معها التلاعب بالألفاظ، وليس انقطاعًا عن الحجة الأولى، أو تسليمًا لصحة حجة مجادله التي لا يشك عاقلٌ في بطلانها.

الفائدة السادسة:

احتجاج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) انتقال من حجةٍ إلى حجةٍ أوضح وأبعد عن الجدال؛ فإن مجيء الشمس مِن المشرق كل يوم في هذا النظام المحكم المتقن غاية الإتقان، الذي إتقانه يفوق إدراك البشر، وبما يحقق المصلحة للكائنات بوجود الليل والنهار، اللذين بدونهما لا تستمر الحياة، وفي خلق هذه الأجرام التي هي أكبر أضعافًا مضاعفة من خلق الناس (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(غافر:57) - أعظم الدليل على وجود الفاعل المدبِّر، العليم الحكيم الخبير، القدير، الآمر الناهي المطاع؛ فهذه الأجرام تطيع أمر ربها -سبحانه وتعالى- دون اعتراضٍ ولو لحظة؛ (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(الأحزاب:72).

وقال -سبحانه وتعالى-: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ ‌فِي ‌يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(فصلت:9-11).

وهذا مِن أوضح الأدلة على وحدانيته في ربوبيته وألوهيته، وأمر إبراهيم للملِك أن يأتي بها من المغرب أمر تعجيز وإفحام وإرشاد لمَن يعقل أن التدبير للعالم ليس لأحدٍ مِن الخلق، لا مَلِك ولا مملوك، ولا غني ولا فقير، ولا قادر ولا عاجز إلا الله وحده، لا شريك له.

وهذه هي نفس حجة موسى -صلى الله عليه وسلم- على فرعون؛ حين قال: (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ . قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ . قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) (الشعراء:24-28)، وهي حجة مسكتة مخرسة للخصم المجادل؛ ولذا ليس أمامه إلا أن يسكت ويبهت ويعجز.

الفائدة السابعة:

في قوله -تعالى- عن الملك الجبار المجادل: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ): دليل على أنه استمر على كفره وعناده؛ رغم ظهور الحجة التي قامت عليه وبُهِت لها، فسبحان الله! كيف يستمر المجادل على عناده وكفره بعد أن بهت؟! لا سبب لذلك؛ إلا أن الله لم يهده، بل كتب عليه الضلال؛ بسبب ظلمه لنفسه الظلم الأكبر بالشرك، وادِّعاء الربوبية والإلهية، وظلمه لغيره بالعدوان والجبروت، والقتل، واغتصاب الحقوق.

(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ): بعدله وحكمته -سبحانه-، فإنه لا يضع بذر الإيمان الطيب إلا في الأرض الطيبة والقلوب الطيبة، ولا يجعل بذر الكفر والظلم الخبيث إلا في الأرض الخبيثة والقلوب الخبيثة، وهو -سبحانه- أعلم بالشاكرين، وهو أعلم بالظالمين.

rl(null,true)])