رسالة إلى المغمورين في عصر الشهرة

  • 91

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد اتسم عصرنا بالتكالب على الشهرة وحب الظهور، حتى وصل الحال بالبعض تمني الشهرة حتى ولو اشتهر بين الناس بالفسق والفجور كمَن سعى في نشر الرذيلة بلا حياء ولا أدب، وكمَن طعن في صحيح الدين بلا خوف ولا وجل!

والعجب: أن الجيل الصاعد افتتن بالمشاهير الذين يشيعون الفاحشة في الذين آمنوا، ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة؛ فأصبح شعار عصرنا اللهث وراء الشهرة بكل معانيها القبيحة!

وليعلم كل مغمور أنه في نعمة عظيمة تستوجب الشكر منه، ويشهد على ذلك مَن فقدها مِن المشاهير الأصفياء حين صاروا في ذروة الابتلاء، وحين حُرِموا من نعمة الخفاء وعدم الشهرة، ولا شك أن الشهرة بلاء عظيم لا يعلم خطرها إلا مَن ابتلي بها.

فمِن مفاسد الشهرة ما يلي:

1️- حرمان العبد حريته الشخصية،  فبمجرد أن يخرج إلى المكان الذي اشتُهِر فيه لا يتمتع بحله وترحاله بين الناس.

2- المدح الشديد من محبيه أو الذم الشديد من مبغضيه وكلاهما شر مستطير.

3- صعوبة معرفته بصديقه الصالح المصلح من صديقه المصلحي المنتفع.

4- مراقبته للناس في عمله، وهذه مصيبة لا ينجو منها إلا مَن اعتنى بقلبه وراقب ربه في كل لحظة.

5- تصرفات العبد المشهور محسوبة عليه وعلى مَن ينتسب لهم.

6- كثرة الانشغالات وضيق الأوقات يسبب الحرمان من الخلوات برب الأرض والسماوات.

وهناك بعض المشاهير كتب الله لهم النجاة من تلك المخاطر التي ذكرتها؛ لأن الشهرة عندهم ليست غاية، والقدر الذي وضعهم في هذا الامتحان الشاق؛ لأنهم لم يلهثوا خلفها ولم يتمنوا بريقها، وهناك مَن ضاع عمله حين أصبحت الشهرة هي أغلى أمانيه.

ولا أقصد الحديث عن الشهرة الإعلامية فحسب كـ(الفضائيات - مواقع التواصل الاجتماعي)، فقد يكون الشخص مشهورًا في عائلته أو قريته أو مركزه أو محافظته أو في محل عمله، فيتهافت الناس عليه ولا يهنأ بحياته الطبيعية التي تتسم بالسلام النفسي.

وإن من ضوابط الشهرة:

 أُذَكِّر مَن ابتلي بالشهرة أنه لا يصح له أن يترك العمل أو الإصلاح كالدعوة إلى الله بدعوى الخوف منها؛ فعليه أن يجاهد نفسه ويسعى في إصلاح قلبه، ولا يترك عملًا كان يعمله وإن كان العمل شابه رياء؛ فعليه أن يصحح نيته.

ومن أجمل ما ورد عن السلف وأحوالهم:   

 كان السلف -رضي الله عنهم- يفرون مِن الشهرة أشد الفرار، فكان أويس وغيره من الزهاد إذا عُرِفوا في مكان ارتحلوا عنه.

وكان إبراهيم بن أدهم -رحمه الله- إذا دخل عليه داخل وهو يقرأ في المصحف غطاه.

ذهب عبد الله بن المبارك إلى الكوفة، وزاحم من أجل الوصول إلى السقاية، فلم يعرفه الناس فدفعوه، فقال: "ما العيش إلا هكذا ... !"، أي: حيث لم نُعرف ولم نُوقَّر.

ورُوي أن رجلًا من السلف صام سنة كاملة، ولم تعلم بذلك زوجته؛ كان يخرج بطعام إفطاره فيتصدق به، ويبقى في دُكّانه إلى غروب الشمس، ثم يعود يفطر في بيته.

واعلم أيها المغمور: أنك قد تكون مغمورًا في أهل الدنيا مذكورًا في أهل السماء.

واعلم أيها المشهور: أنك فقد تكون مشهورًا في أهل الدنيا ملعون من أهل السماء.

وبعد، فقد أردتُ أن أنفع نفسي وإياكم بتلك الرسالة بالهمس في أذن كل مغمور؛ لكي لا يظن أنه حُرم الخير بسبب عدم شهرته ومنة الخفاء التي امتن الله بها عليه ولم يعلم.

rl(null,true)])