الابتلاء سنة كونية

  • 21

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن طريق الدعوة إلى الله يعج بالأشواك، وكل حسب قدرته وقربه إلى الله، فأكثر الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة؛ فلقد رأى الأذى من أهله، وهاجر بدينه مِن أحب البلاد إليه؛ من موطنه الذي تربَّى فيه أكثر من خمسين سنة، ثم ضرب لنا المثل بالتضحية والفداء، ولو شاء الله أن ينصره دون أن يتحرك قيد أنملة لفعل، ولكن الله أراد أن يرفع ذكره ويمحصه، وهو على يقين أن الله لن يضيعه أبدًا، قال الله -تعالى-: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:141).

قال الإمام الطبري -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: " يعني تعالى ذكره بقوله: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) وليختبرَ الله الذين صدَّقوا الله ورسوله، فيبتليهم حتى يتبيَّن المؤمن منهم المخلص صحيح الإيمان، من المنافق؛ لذا جاء عقب الآية التي بعدها: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142)".

وتوالت الابتلاءات لأهل الفضل؛ فقد ابتلي سيدنا علي -رضي الله عنه- بالتكفير من فرقة الخوارج فقتل على يد أحدهم، وهو: عبد الرحمن بن ملجم، وغيره ممَّن سبقوه بالخلافة صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم توالت الابتلاءات حتى وصلت أسد السنة الإمام أحمد بن حنبل فسُجِن وعُذب، ومُنع من التحديث في فترة زمنية العلم فيها كالبحار الجارية، ومن خلفه البخاري مع الذهلي حتى طلب البخاري لقاء ربه، وهو مِن القرون الأول التي هي خير القرون مما أصابه من أقرانه والفتن المحيطة به.

وقال الله -تعالى-: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء:٣٥).

قال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية: "ونختبركم أيها الناس بالشر، وهو: الشدة، نبتليكم بها، وبالخير وهو: الرخاء والسعة العافية، فنفتنكم به".

فالمسلم يخاف على نفسه إن لم يبتلَ، وليس معنى ذلك: أنه يطلب الابتلاء؛ لأن الإنسان لا يعلم ماذا يصنع وهو مبتلى.

نسأل الله العافية.

rl(null,true)])