اليقين (4)

  • 40

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل في هذا المقال تساؤلاتنا حول يقين كل منا في بعض الأمور التي مِن المفترض أن يكون وصل فيها يقينه إلى حقِّ اليقين، مع ما ذِكْر ما أمكن الثمرة الحقيقية لكل سؤال مِن هذه الأسئلة.

سؤال 7: هل أنت على يقين في قضائه وقدره -سبحانه وتعالى-؟ هل تتعامل معه وَفْق هذا اليقين؟ وهل تؤمن أن الأمور تجري بمقادير الله، مع إحسان الظن في تقديره وتدبيره، والرضا بقضائه وقدره، والاعتقاد أنه الأنفع والأحسن لك في الدنيا والآخرة؟

الدليل: قال -تعالى-: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم) (النور:11)، وقوله: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌وَاسْتَعِنْ ‌بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ ‌أَنَّ ‌مَا ‌أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

إن الخلل في اليقين في القضاء والقدر يُحدِث إرباكًا عظيمًا، وهلعًا وجزعًا؛ ناهيك عن التسخط والاعتراض والشكاية.

سؤال 8: هل أنت على يقين أنك على الحق أم أنت ممَّن يتأثرون بحملات التشويه والطعن في المنهج؟

ثمرة اليقين فيما سبق تفرز شخصيةً ثابتةً صابرة محتسبةً مخلصةً، وعلى ربها متوكلة، لديها خوفٌ وخشية، وعندها حيطة وحذر.

إن اليقين أنك على الحق طاقة دافعة للبذل والعطاء، وقوة مثبِّتة على الطريق، فتستطيع الاستمرارية، وتخطي العقبات مهما بلغت، واستحقار الباطل بها، وأنك تشعر أنك أقوى من الباطل مهما بلغ من القوة.

مثال 1: أصحاب الكهف واليقين أنهم على الحق.

مثال 2: أصحاب الأخدود، وقال لها الغُلَامُ: (يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ) (رواه مسلم).

مثال 3: السحرة، وكيف حالهم لمَّا حصل اليقين عندهم لما توعَّد فرعون، وتهدد أنه سيصلبهم على جذوع النخل، ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، ومع ذلك قالوا: (‌لَنْ ‌نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) ‏(طه:72).

مثال 4: كان فيمن كان قبلكم (حديث المناشير).

عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَيُمْشَطُ ‌بِأَمْشَاطِ ‌الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري).

مثال5: في فتنة المسيح الدجال:

كيف صنع اليقين في العبد المؤمن معه بعد أن استعرض مع الدجال في امتحان صعب أمر السماء بالمطر فأمطرت، وأمرها أن تمسك فأمسكت، وأمر بقطع العبد المؤمن فلقتين ثم أعاده، فقال: (ما ازْدَدْتُ فِيكَ إلَّا بَصِيرَةً) (رواه مسلم).

السؤال: وأخيرًا: هل أنت على يقين مِن وعده -سبحانه وتعالى- لعباده المؤمنين، وكيف تتعامل مع وعده وشرطه -سبحانه وتعالى- لتحقيق ما وعدك به في الدنيا والآخرة.

أولًا: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (النساء:122)، (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) (التوبة:111)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران:9)، (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم:6).

مثال: أنت الآن أكيد تنشد النصر والتمكين للإسلام والمسلمين؛ فهل علمتَ أن الله وعد أولياءه إن هم حققوا الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكِّن لهم دينه فيسود على ما عداه، وأن يُبدِّل حال العباد إلى الأمن والسكينة والطمأنينة؟!

وأين هذا الوعد؟!

في كتاب الله -تبارك وتعالى-، والمفترض أن نكون في ذلك في القمة، قال الله -عز وجل-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

rl(null,true)])